المغرب
سياسة

الوزير الصغير: فن التواجد في الصورة لا في العمل

هسبريس14 أكتوبر 2026 في 02:120 مشاهدة
الوزير الصغير: فن التواجد في الصورة لا في العمل

تنويه

هذا الخبر بعنوان "المَقامَةُ الوِزَارِيَةُ" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 14 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في مشهد سياسي مكتظ، حيث يتدافع أصحاب الوجوه وأهل الصور، ويتزين كل امرئ بما ليس فيه، ويتقدم المتأخرون وكأن الزمان استأذنهم قبل أن يدور، رأيت وزيرًا كبيرًا في صدر المجلس، تحيط به العيون وتتعلق به الظنون. تناقلت الألسن أن له غدًا أعظم من يومه، وأن كرسيه ما هو إلا دكة انتظار لكرسي أرفع وأعرض.

وعن يمينه، رجل قصير الوزارة طويل الملازمة، لا يفارقه في مشهد ولا يترك له في صورة شبرًا إلا احتلّه. رأيته يميل نحو كل عدسة كما يميل عباد الشمس نحو النهار. سألت صاحبي: من هذا الذي التصق بالرجل؟ قال: ذاك الوزير الصغير. سألته: وأي وزارة يحمل؟ قال: أما وزارته في الدفاتر فلها اسم، وأما وزارته في المنصات فاسْمُها: “الوقوف بجانب الوزير الكبير”.

راقبته جيدًا؛ فإذا الكبير خطا خطوة، خطا وراءه نصف خطوة. وإذا الكبير صافح ضيفًا، مد الصغير عنقه ليصافح الهواء الذي مرت منه يد الضيف. وإذا الكبير ضحك، أطلق الصغير ضحكة أسرع من ضحكته، كأنما تلقى نسخة مسبقة من النكتة. وعندما ارتفعت الكاميرات، تغير الرجل من وزير إلى بوصلة، لا يشير إلا إلى جهة الكبير. دخل الكبير من باب، فدخل الصغير من ظله. جلس الكبير، فجلس الصغير على حاشية المشهد. نهض الكبير، فنهض الصغير قبل أن تستقيم ركبتا صاحبه. التفت الكبير يمينًا، فظهر الصغير يمينًا. التفت شمالًا، فإذا الرجل قد سبق الالتفات واستقر هناك. خلتُ أن للوزير الكبير ظلّين: ظل تصنعه الشمس، وظل تصنعه الطموحات.

كان الوزير الصغير عجيبًا في فقه المسافات؛ يعرف من السياسة مقدار السنتيمترات التي تفصله عن كتف الكبير، ويحفظ من البروتوكول الزاوية التي تضمن ظهور نصف وجهه في الصورة، ويحسب من شؤون الدولة ما يكفيه ليعرف أين تقف الكاميرا. فإن جاء مصور من اليمين، زحف يمينًا. وإن جاء مصور من اليسار، هاجر يسارًا. وإن ارتفع الهاتف فوق الرؤوس، طال عنقه حتى حسبت أن الوزارة اختصت فجأة بتربية الزرافات.

ثم جاء يوم خطب فيه الوزير الكبير، فتقدم إلى المنصة، فإذا الصغير وراءه كالفاصلة في آخر السطر. قال الكبير: “أمامنا أوراش كبرى”. فهز الصغير رأسه هزًا شديدًا حتى خشيت على عنقه من أوراش الصيانة. قال الكبير: “نحتاج إلى رؤية بعيدة”. فضيق الصغير عينيه ونظر إلى الأفق، كأنه رأى الرؤية قادمة من آخر الشارع. قال الكبير: “المسؤولية تقتضي العمل في صمت”. فصفق الصغير أول المصفقين، فقلت في نفسي: يا للعجب! هذا رجل يصفق للصمت.

اقتربت منه بعد انفضاض المجلس، وقلت: يا معالي الوزير، أراك كثير الصحبة لهذا الرجل. فنظر إليّ نظرة من عرف أسرار الدولة، وقال: “السياسة وفاء”. قلت: ما شاء الله، وأراك أوفى من الظل. فابتسم. قلت: غير أن الظل يفارق صاحبه عند الغروب. فانطفأت ابتسامته قليلاً، ثم قال: “نحن فريق واحد”. قلت: صدقت، غير أن الفريق يضم لاعبين، وأنت منذ ساعة تركض خلف القميص ولا تلمس الكرة. فسعل. قلت: ولعل معاليكم تحبون العمل بعيدًا عن الأضواء؟ قال: جدًا. قلت: لهذا السبب أراك دائمًا تحت أقواها؟ فأدار وجهه عني.

وفي اليوم التالي أقيم حفل آخر، وحضر الوزير الكبير، فبحثت عن الوزير الصغير فلم أجده. قلت: لعلّه غضب من كلامي، أو تاب من صحبة العدسات، أو عاد إلى وزارته ليرى هل بقي فيها موظفون يعرفونه. ثم ارتفعت الكاميرات فجأة، وإذا به يخرج من بين رجلين، يشق الصفوف شقًا، ويمد خطاه مدًا، حتى استقر بجوار الكبير، ثم سوى سترته، ورفع ذقنه، وبسط على وجهه ابتسامة رسمية لا تقول شيئًا وتعد بكل شيء. وعندئذ فهمت سر الرجل. لم يكن يخشى أن يغيب عن اجتماع. كان يخشى أن يغيب عن الصورة. ولم يكن يرافق الوزير الكبير حبًا في الصحبة. كان يرافق مستقبله المحتمل. فالكبير عنده ليس زميلًا في الحكومة، بل مصعد سياسي، وقد وضع الصغير قدمه عند بابه منذ الطابق الأرضي، وأقسم ألا ينزل حتى يعرف إلى أي طابق سيصعد.

ثم بلغني أن الصحف نشرت في صباح اليوم التالي صورة الحفل. ظهر الوزير الكبير في الوسط واضحًا مهيبًا. وظهر خلفه نصف وجه يعرفه الناس جيدًا. فقال أحدهم: من هذا؟ فقلت: هذا وزير كامل الصلاحيات، نصفه في الحكومة، ونصفه الآخر في الصورة. ثم انصرفت وأنا أقول: رحم الله رجالًا طلبوا المجد بالأعمال، وأعان الله زمانًا يطلب فيه بعض الرجال المجد بحسن اختيار مكان الوقوف. لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

شارك الخبر: