أحداث سبتة أمام البرلمان الأوروبي: اتهامات جاهزة بانتظار دليل دامغ


هذا الخبر بعنوان "أحداث سبتة المأساوية أمام البرلمان الأوروبي .. الاتهام جاهز فأين الدليل؟" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 15 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يستعد البرلمان الأوروبي لمناقشة الأحداث المأساوية التي شهدتها مدينة سبتة يومي 30 و31 يوليوز، تحت عنوان يصفها بـ “هجمات هجينة حديثة” و”توظيف المهاجرين”. ورغم أن مناقشة البرلمان لهذه الأحداث حق مشروع، بل إن خطورة المأساة تفرض تحليلًا دقيقًا لأسبابها ومسارها، إلا أن عنوان النقاش يثير قلقًا لأنه يبدو وكأنه حدد مسبقًا طبيعة الفعل، وأثبت القصد الكامن وراءه، وعيّن ضمنيًا الجهة المسؤولة عنه. لا ينبغي لأي برلمان أن يبدأ بالإدانة ثم يبحث عن مبرراتها، بل يجب أن ينطلق من الوقائع ليصل إلى استنتاجاته بعد نقاش متوازن.
مأساة تقتضي الحقيقة أولاً: خلقت أحداث 30 و31 يوليوز وضعًا إنسانيًا وأمنيًا بالغ الخطورة، حيث تدفق آلاف الأشخاص نحو سبتة في فترة قصيرة، وأزهقت أرواح، وما زالت عائلات تنتظر معلومات عن ذويها، فيما تعرضت المصالح العمومية لضغط استثنائي. لذا، فإن المطلب الأول هو صون كرامة الضحايا والمفقودين وأسرهم. والمطلب الثاني هو الحقيقة، التي تتطلب فحص أي تقصير محتمل، وتحديد المسؤوليات، والاعتراف بالأخطاء، والكشف عن أي تلاعب. لكن خطورة الحدث لا تحول الفرضية إلى دليل، ولا الاتهام السياسي إلى واقعة قانونية ثابتة. وقبل استخدام عبارات ثقيلة مثل “الابتزاز” و”الحرب الهجينة” و”التوظيف الحكومي للمهاجرين”، يجب طرح سؤال جوهري: ما الأدلة التي تثبت قرارًا صادرًا عن الدولة المغربية لتنظيم عمليات العبور أو توجيهها أو تسهيلها عمدًا؟ حتى الآن، لم يُكشف عن أي تعليمات موثقة أو أوامر عملياتية أو مطالب سياسية أو تسلسل قيادي يثبت وجود مثل هذا القرار.
أربعة أسئلة لا ينبغي الخلط بينها: لفهم ما حدث، يجب التمييز بين أربعة أسئلة: ماذا وقع ميدانيًا؟ هل حدثت أخطاء أو قصور عملياتي؟ ما دور الشبكات الإجرامية والمهربون والتعبئة الرقمية؟ وأخيرًا، هل يوجد دليل على قرار سياسي مغربي لاختلاق الأزمة؟ الأسئلة الثلاثة الأولى تستحق تحقيقًا شاملًا. أما السؤال الرابع، فلا يمكن اعتباره محسومًا لمجرد أن حجم الأحداث كان استثنائيًا. قد تتعرض الحدود لضغط يفوق القدرة على ضبطها، وقد تواجه القوات تحركًا سريعًا وموزعًا، وقد تحدث أخطاء في التقدير أو التنسيق. لكن العجز المؤقت عن احتواء التحركات لا يشكل دليلاً على وجود إرادة لتسهيلها. لا ينبغي الخلط بين القدرة والقصد؛ فالخلل العملياتي لا يكفي لإثبات وجود استراتيجية دولة.
تعبئة جرى التحضير لها عبر شبكات التواصل الاجتماعي: لم تبدأ الأحداث بعفوية. فقد انتشرت دعوات عبر “واتساب” و”فيسبوك” ومنصات أخرى لدخول جماعي إلى سبتة، مع نشر مجموعات واسعة لنقاط التجمع والمسارات والتوقيتات وإرشادات عملية. كما جرى الترويج ليوم 30 يوليوز باعتباره “فرصة” لاستغلال انشغال المؤسسات الأمنية المغربية باحتفالات عيد العرش. وأحدثت صور ومقاطع فيديو لأشخاص نجحوا في الوصول تأثيرًا قويًا للمحاكاة. وانضافت إلى ذلك شبكات التهريب والوسطاء الإجراميون الذين استغلوا الانتشار الواسع لهذه المضامين. شكلت التعبئة الرقمية والمعلومات المضللة عوامل قوية، لكن تجاهلها واختزال الأزمة في قرار مزعوم من الرباط يعني استبعاد العناصر التي لا تنسجم مع خلاصة مسبقة.
المغرب كان يتدخل قبل 30 يوليوز: خلال الأيام السابقة للأزمة، كانت قوات الأمن المغربية تنفذ عمليات استباقية لإحباط محاولات المغادرة وتفريق التجمعات. واستمرت هذه التدخلات حتى خلال الفترة التي وُصفت بـ “التراخي” المتعمد. من المشروع التساؤل عن كفاية الوسائل أو التعامل مع الإنذارات، لكن ليس من المشروع تحويل قصور مفترض إلى أمر سياسي ثم إلى “هجوم هجين” دون دليل.
لماذا وقع الاختيار على عيد العرش؟: تاريخ 30 يوليوز، وهو عيد العرش، من أبرز المناسبات الوطنية المغربية، وتكون الدولة معبأة لتأمين المراسم. دعت الرسائل عبر الإنترنت صراحة إلى استغلال هذه التعبئة. لكن ما المصلحة التي كان سيجنيها المغرب من افتعال أزمة جماعية بهذا الحجم في ذلك اليوم تحديدًا؟ إن رمزية التاريخ تدعم فرضية استغلال المنظمين له، وليس فرضية وجود عملية خططت لها الدولة.
الابتزاز، ولكن من أجل الحصول على ماذا؟: يُستخدم مصطلح “الابتزاز” على نطاق واسع، لكنه يفترض وجود مطلب أو شرط. فما المطلب الذي كان المغرب يسعى إلى تحقيقه؟ وما الإنذار الذي وجّهه؟ وما التنازل الذي طلبه؟ لم يُكشف عن أي مطلب. إن ابتزازًا من دون مطلب ليس ابتزازًا، بل توصيف سياسي يفتقر إلى عنصره الواقعي. أما مفهوم “الحرب الهجينة” فيتطلب حذرًا أكبر، فهو يفترض تنسيقًا ونية عدائية، ولا يمكن استنتاجه من مجرد حجم حركة هجرة غير نظامية أو قصور مزعوم في مراقبة الحدود.
الإجراءات اللاحقة تناقض فرضية استخدام الهجرة للضغط: عندما اتضح حجم التحرك، أعادت القوات المغربية فرض المراقبة وعززتها. ثم تعاون المغرب في إعادة قبول عدد كبير جدًا من الأشخاص الذين عبروا الحدود، وأكد استعداده لإعادة قبول المهاجرين غير النظاميين. يصعب التوفيق بين هذه الإجراءات ونظرية وجود سياسة متعمدة لتوظيف الهجرة. فالدولة المنخرطة في ذلك لن تسعى في الوقت نفسه إلى منع المغادرة وإعادة فرض المراقبة وقبول عمليات الإعادة. ولا تقتصر جهود المغرب على هذين اليومين؛ فبين 2023 و2025، أحبطت السلطات المغربية أكثر من 227 ألف محاولة للهجرة غير النظامية، وفككت أكثر من 1050 شبكة للاتجار والتهريب، وأنقذت عشرات الآلاف. هذه النتائج تثبت أن سياسته الثابتة تقوم على الوقاية والإنقاذ وإعادة القبول والتعاون، وليس على الاستخدام المنهجي للهجرة كسلاح.
ربما حدث توظيف للمهاجرين، ولكن من قام به؟: من الواضح أن أشخاصًا في وضعية هشاشة شُجعوا على المجازفة بحياتهم بناءً على وعود ومعلومات مضللة. توجد بالفعل قضية تتعلق بتوظيف المهاجرين واستغلالهم، لكن إثبات ذلك لا يسمح بإسناد مسؤوليته تلقائيًا إلى دولة. يجب تحديد الحسابات التي أطلقت الدعوات، والقائمين على إدارة المجموعات، والشبكات التي نشرت المسارات، ومصادر التمويل، والمهربين، والجهات التي عملت على تضخيم المضامين. يجب إثبات هوية الجهة المسؤولة عن هذا الاستغلال، لا افتراضها.
ينبغي للبرلمان الأوروبي أن يناقش، ولكن على أساس الوقائع: يملك البرلمان الأوروبي الشرعية لفحص أحداث سبتة ومساءلة آليات حماية الحدود الخارجية. لكن نقاشه سيكتسب مصداقية أكبر إذا ميّز بوضوح بين الوقائع المثبتة والادعاءات، وبين أوجه القصور العملياتية والقصد السياسي، وبين أفعال الشبكات الإجرامية وأفعال مؤسسات الدولة. الرد الأكثر فائدة ليس إصدار قرار يستند إلى توصيفات مسبقة، بل بناء تسلسل زمني مشترك، وتحسين تبادل الإنذارات، وتعزيز مكافحة المهربين والتحريض الرقمي، وتنسيق الاستجابة للتحركات المفاجئة، وتحديد هويات الضحايا والمفقودين، وضمان الإعادة القانونية والإنسانية. لا يطلب المغرب من أحد التخلي عن الفحص النقدي، بل يطلب أن يكون شاملًا ومتوازنًا وخاضعًا لمعايير الإثبات نفسها التي تتمسك بها أوروبا. لن يستفيد المغرب أو إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي من تحويل مأساة إنسانية إلى أداة للاستقطاب السياسي. الحقيقة تحمي النقاش الديمقراطي من انحراف خطير: إصدار الحكم قبل إثبات الوقائع.
تكنولوجيا
سياسة
سياسة
سياسة