المغرب
سياسة

الدولة والحكومة: إعادة تعريف العلاقة بين الاستمرارية والتغيير في المغرب

العمق المغربي13 أكتوبر 2026 في 22:260 مشاهدة
الدولة والحكومة: إعادة تعريف العلاقة بين الاستمرارية والتغيير في المغرب

تنويه

هذا الخبر بعنوان "زمن الدولة وزمن الحكومة.. نحو إعادة تأصيل العلاقة بـيـن الاستمرارية والتداول" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 16 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربعه على العرش، ألقى الملك محمد السادس خطاباً سامياً للأمة في مساء 29 يوليو 2026. تضمن الخطاب، إلى جانب استعراض الحصيلة التنموية المعتادة، عبارة ذات ثقل نظري لافت: "إن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية المحققة تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني"، باعتبارها نتاج تراكم استراتيجي مستمر عبر سنوات متعاقبة. لم تكن هذه العبارة منفصلة عن سياقها، بل اقترنت بإعلان استشرافي هام: بعد الانتخابات التشريعية المقبلة وتشكيل حكومة جديدة، لن ينطلق "برنامج حكومي" بالمعنى التقليدي في الأدبيات الدستورية الكلاسيكية، بل "دورة جديدة" ضمن مسار تنموي قائم، يهدف إلى تحصين المكتسبات ومواصلة الأوراش الكبرى.

هذا التوصيف، رغم إيجازه، يعيد فتح نقاش نظري عميق الجذور في الفقه الدستوري وعلم السياسة معاً: كيف يمكن التوفيق، ضمن نظام دستوري واحد، بين زمنين سياسيين متميزين في طبيعتهما، مصدر شرعيتهما، ومدتهما الزمنية؛ زمن الدولة القائم على الاستمرارية، وزمن الحكومة القائم على التداول والتجدد الدوري؟

زمنان سياسيان داخل دولة واحدة

تتحرك الدولة الحديثة ضمن أكثر من إيقاع زمني. فهناك، أولاً، الزمن الانتخابي، الذي يبدأ مع الانتخابات وينتهي بانتهاء الولاية أو تغير الأغلبية. وهو زمن مشروع وملازم للديمقراطية، إذ يسمح للمواطنين باختيار ممثليهم، ومساءلة الحكومات، وتغيير السياسات والبرامج. وهناك، في المقابل، زمن الدولة، وهو زمن أكثر امتداداً، لأن الدولة لا تتغير بتغير الحكومة. فالمؤسسات تستمر، والالتزامات الدولية تظل قائمة، والمشاريع الاستراتيجية تتواصل، والسياسات الهيكلية لا يمكن أن تبدأ من نقطة الصفر مع كل انتخابات. وبين هذين الزمنين يوجد زمن الحكومة: زمن سياسي وسيط، تتولى فيه الحكومة ترجمة الاختيارات العامة إلى برامج وسياسات عمومية، لكنها تظل مرتبطة بمدة الولاية وبمنطق المسؤولية السياسية والانتخابية. وهنا تحديداً تظهر الإشكالية: هل ينبغي للزمن الانتخابي أن يحكم كامل الزمن العمومي للدولة، أم أن الدولة تحتاج إلى أفق استراتيجي يتجاوز الدورات الانتخابية دون أن يلغي حق الناخب في التغيير؟

الدستور المغربي يؤسس لاستمرارية الدولة وتداول الحكومة

لا يقدم الدستور المغربي لسنة 2011 الدولة والحكومة كمستويين متنافسين، بل يحدد لكل منهما موقعاً داخل البناء المؤسساتي. فالفصل الأول يجعل النظام الدستوري للمملكة قائماً على فصل السلط وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، والحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وبذلك يجمع البناء الدستوري بين الاستمرارية المؤسساتية والمشروعية الديمقراطية. أما الفصل 42، فيمنح الاستمرارية موقعاً صريحاً داخل الوظيفة الدستورية لرئيس الدولة، عندما يقرر أن الملك هو "ضامن دوام الدولة واستمرارها"، إلى جانب كونه حكماً أسمى بين المؤسسات، وساهراً على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية وصيانة الاختيار الديمقراطي. وفي المقابل، يربط الفصل 47 تشكيل الحكومة بنتائج الانتخابات، إذ يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، بينما يقرر الفصل ذاته استمرار الحكومة المنتهية مهامها في تصريف الأمور الجارية إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة. وهذا البناء الدستوري يكشف عن حقيقة بالغة الأهمية: الدولة مستمرة، بينما الحكومة قابلة للتغيير؛ والاستمرارية لا تلغي التداول، كما أن التداول لا يلغي الاستمرارية.

الانتخابات تغير الحكومة ولا تغير الدولة

تتمثل القيمة الأساسية للانتخابات في أنها تمنح المواطنين القدرة على تغيير القائمين على تدبير الشأن العام. لكن الانتخابات، في الدولة الدستورية، لا تعني إعادة تأسيس الدولة مع كل استحقاق. فالحكومة التي تنبثق عن الانتخابات ترث مؤسسات قائمة، وسياسات عمومية قائمة، ومشاريع مفتوحة، والتزامات دولية، وموارد عمومية، وتحديات استراتيجية لا تختفي بمجرد تغيير الأغلبية. ومن هنا ينبغي التمييز بين التغيير السياسي والقطيعة المؤسساتية. التغيير السياسي مطلوب؛ لأنه جوهر التنافس الديمقراطي. أما القطيعة مع الاستراتيجيات الوطنية الأساسية، فليست بالضرورة نتيجة طبيعية للتداول، بل قد تكون في بعض الحالات مكلفة للدولة والمجتمع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشاريع تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تظهر نتائجها. فالطرق السيارة، والموانئ، وشبكات السكك الحديدية، ومشاريع الماء والطاقة، والتحول الصناعي، والسياسات التعليمية والصحية، والتحول الرقمي، والإصلاحات المؤسساتية الكبرى، كلها أمثلة على مجالات لا يمكن قياس آثارها بمنطق سنة انتخابية أو ولاية حكومية واحدة.

خطاب 2026: استمرارية المشاريع خارج حدود الولاية

تكمن أهمية الخطاب الملكي الأخير في أنه جاء في لحظة انتقال سياسي، ومع ذلك لم يجعل من الانتقال الانتخابي نقطة نهاية، بل قدم مجموعة من الأولويات باعتبارها جزءاً من مسار وطني متواصل. وقد برز في الخطاب التركيز على الاستقرار باعتباره قاعدة للتنمية، وعلى مواصلة الأوراش الكبرى، وعلى رهانات اقتصادية وتنموية وأمنية تتجاوز اللحظة الانتخابية. وقد ذهبت قراءة سياسية للخطاب إلى أن المشاريع الكبرى، ولاسيما المرتبطة بالاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى، تتجاوز حدود الزمن الحكومي والانتخابي. وهذا المعنى يكتسب أهمية خاصة عندما نقرأه في ضوء الخطاب الموجه إلى البرلمان في أكتوبر 2025، حيث جرى التأكيد على أن الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية يمثل قضايا "تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني"، وأن العدالة الاجتماعية والمجالية ليست أولوية مرحلية قابلة للتراجع، وإنما توجه استراتيجي. وبذلك لا يظهر مفهوم الزمن في الخطاب السياسي المغربي باعتباره مجرد مدة زمنية، وإنما باعتباره أفقاً للفعل العمومي.

من الولاية إلى الأفق

المشكلة ليست في وجود ولاية حكومية محددة؛ فهي ضرورية للمساءلة الديمقراطية. المشكلة تظهر عندما تصبح الولاية نفسها هي الأفق الوحيد للتخطيط. فالولاية الانتخابية يجب أن تكون وحدة للمساءلة، لا بالضرورة وحدة للتخطيط الاستراتيجي. وهذه قاعدة يمكن أن تشكل مدخلاً مهماً لإعادة التفكير في السياسات العمومية. يمكن للحكومة أن تقدم برنامجاً يمتد خمس سنوات، وأن تخضع للمساءلة عن تنفيذه، لكن ذلك لا يمنع الدولة من امتلاك استراتيجيات تمتد لعشر أو عشرين سنة. والفرق هنا جوهري: البرنامج الحكومي يجيب عن سؤال: ماذا ستفعل الحكومة خلال ولايتها؟ بينما الاستراتيجية الوطنية تجيب عن سؤال: أين تريد الدولة أن تكون بعد سنوات؟ والخلط بين السؤالين يؤدي إلى اختلال في التخطيط العمومي.

هل نحتاج إلى دسترة الزمن الاستراتيجي؟

يطرح هذا النقاش سؤالاً أكثر عمقاً: هل ينبغي أن تتحول بعض الاستراتيجيات الوطنية الكبرى إلى ما يشبه "ثوابت استراتيجية" تحظى بدرجة مرتفعة من الاستمرارية؟ المقصود هنا ليس بالضرورة تعديل الدستور، وإنما تطوير آليات مؤسساتية وقانونية تسمح بتحصين بعض الاختيارات بعيدة المدى من التقلبات السياسية القصيرة. بهذا المعنى يمكن الانتقال من مفهوم استمرارية المشاريع إلى مفهوم أكثر تطوراً هو استمرارية السياسات العمومية.

من زمن الدولة إلى ثقافة الدولة

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بإعادة تعريف الزمن، وإنما بإعادة بناء ثقافة سياسية. فالحكومة مطالبة بأن تفكر في الانتخابات، لأنها خاضعة للمساءلة أمام الناخبين. لكنها مطالبة أيضاً بأن تفكر خارج الانتخابات، لأن القرارات التي تتخذها اليوم ستؤثر في أجيال لم تشارك بعد في العملية الانتخابية. وفي المقابل، فإن المعارضة مطالبة بأن تقدم بديلاً سياسياً حقيقياً، لا أن تجعل من كل مشروع وطني مجالاً للمزايدة السياسية. أما الإدارة العمومية، فهي مطالبة بأن تكون أداة للاستمرارية المؤسساتية، بحيث لا تتوقف الدولة عند تغير المسؤولين والحكومات. وهكذا يصبح زمن الدولة إطاراً للاستمرارية، وزمن الحكومة مجالاً للتداول، والزمن الانتخابي آلية للمساءلة.

التداول داخل الاستمرارية

إن جوهر الديمقراطية لا يكمن في جعل الدولة أسيرة للانتخابات، كما أن استمرارية الدولة لا ينبغي أن تكون ذريعة لتحييد السياسة والاختيار الديمقراطي. المعادلة الأكثر توازناً هي أن تستمر الدولة وتتغير الحكومات، أن تبقى الاستراتيجيات الوطنية الكبرى قابلة للتراكم، بينما تبقى السياسات والبرامج قابلة للمراجعة والتغيير، أن تكون الانتخابات لحظة لتجديد الشرعية السياسية، لا لحظة لإعادة تأسيس الدولة، وأن تكون الحكومة مسؤولة عن تدبير حاضر الدولة، دون أن تفقد القدرة على التفكير في مستقبلها. من هنا، فإن مفهوم "زمن الدولة" يمكن أن يشكل مدخلاً نظرياً خصباً لفهم العلاقة بين المؤسسة والاستمرارية من جهة، والانتخاب والتداول من جهة أخرى. وهو مفهوم لا يستمد أهميته من كونه بديلاً عن "الزمن الانتخابي"، وإنما من كونه يطرح سؤالاً جوهرياً حول كيفية تنظيم الزمنين داخل دولة واحدة. فالديمقراطية تحتاج إلى التداول، والدولة تحتاج إلى الاستمرارية؛ وبينهما لا ينبغي أن تكون العلاقة علاقة تناقض، وإنما علاقة تكامل مؤسساتي بين شرعية التغيير وضرورة الاستمرار. لعل التحدي الحقيقي الذي يواجه الدولة المغربية في المرحلة المقبلة ليس فقط أن تنجح في تنظيم انتقال حكومي وانتخابي سلس، وإنما أن تتمكن من ضمان أن لا يكون تغير الحكومة تغيراً في اتجاه الدولة، بل تجديداً لوسائل تحقيق أهدافها الاستراتيجية. وهنا تحديداً تتحدد قيمة التمييز بين زمن الدولة وزمن الحكومة: ليس لإلغاء الزمن الانتخابي، وإنما لجعله جزءاً من زمن وطني أوسع، تتعاقب فيه الحكومات، وتتغير البرامج، وتتجدد النخب، بينما تستمر الدولة في بناء مستقبلها.

شارك الخبر: