احتياطيات المغرب النقدية تحت الاختبار: صدمة أسعار المحروقات تزيد الضغط


هذا الخبر بعنوان "صدمة المحروقات تختبر صلابة احتياطيات المغرب من العملة الصعبة" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 16 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تواجه احتياطيات المغرب من العملة الصعبة ضغوطًا متزايدة مع استمرار ارتفاع أسعار المحروقات في محطات الوقود وتصاعد أسعار النفط والمنتجات المكررة في الأسواق الدولية. هذا الوضع يهدد بزيادة الفاتورة الطاقية للمملكة واستنزاف جزء أكبر من موارد النقد الأجنبي المخصصة لتغطية الواردات.
على الرغم من أن الأصول الاحتياطية الرسمية قد بلغت مستويات تاريخية خلال العام الجاري، إلا أن استمرار أسعار النفط المرتفعة لفترة طويلة قد يختبر متانة هذه الوسادة المالية، نظرًا لاعتماد المغرب الكبير على واردات الطاقة. وقد تفاقمت هذه الضغوط مع دخول زيادة جديدة في أسعار المحروقات حيز التطبيق، وهي الزيادة الخامسة منذ منتصف يوليوز الماضي. ارتفع سعر لتر الغازوال بنحو 34 سنتيما، والبنزين بنحو 27 سنتيما، ليصل سعر الغازوال إلى حوالي 15.30 درهم والبنزين إلى حوالي 15.20 درهم للتر، مع وجود اختلافات طفيفة بين شبكات التوزيع والمدن.
انتقال صدمة السوق الدولية إلى الأسعار الداخلية:
كشفت وتيرة الزيادات المتلاحقة عن حجم انتقال صدمة السوق الدولية إلى الأسعار الداخلية. فقد ارتفع سعر الغازوال منذ منتصف يوليوز بحوالي 2.74 درهم للتر، موزعة على عدة زيادات. أدى هذا المسار إلى تجاوز سعر الغازوال مجددًا سعر البنزين، على الرغم من أنه كان تاريخيًا الوقود الأرخص والأكثر استهلاكًا في السوق المغربية، خاصة في قطاع النقل. يستحوذ الغازوال على ما بين 75 و80% من استهلاك الوقود، مما يجعل ارتفاع سعره حساسًا للأسر والمهنيين وللميزان التجاري والطلب الوطني على العملة الصعبة.
فاتورة الاستيراد تحت الضغط:
تكمن الحلقة الأكثر حساسية في هذه التطورات خارج محطات الوقود، وتحديدًا في فاتورة الاستيراد. فالمغرب، كمستورد صافٍ للطاقة، يدفع قيمة مشترياته الخارجية من النفط والغاز والمنتجات المكررة بالعملات الأجنبية. وبالتالي، فإن كل ارتفاع مستدام في الأسعار الدولية يعني، عند ثبات الكميات المستوردة، تعبئة مبالغ أكبر من الدولار والعملات الصعبة لتغطية الحاجيات نفسها.
تزامنت الزيادة الجديدة مع اشتداد الاضطرابات في سوق النفط الدولية، حيث تجاوز سعر خام برنت مستوى 107 دولارات للبرميل في 15 سبتمبر، وسط مخاوف متزايدة بشأن الإمدادات. جاءت هذه المخاوف عقب أضرار لحقت ببنيات تحتية للطاقة في السعودية، وتوقف أنبوب الشرق-الغرب، بالإضافة إلى استمرار تداعيات التوترات في الشرق الأوسط وتراجع طاقات التكرير الروسية. ولا يقتصر الضغط على النفط الخام وحده، إذ أصبحت المنتجات المكررة، التي يستورد المغرب جزءًا مهمًا منها، مصدرًا إضافيًا لارتفاع الكلفة. فقد تراجعت صادرات الديزل من روسيا ومنطقة الخليج بنحو 1.6 مليون برميل يوميًا منذ فبراير الماضي. في المقابل، قفزت هوامش تكرير البنزين في أوروبا إلى أكثر من 62 دولارًا للبرميل مطلع سبتمبر، وهي تطورات تزيد كلفة اقتناء المنتجات الجاهزة وتضاعف حساسية البلدان المستوردة لتحركات السوق.
الفاتورة الطاقية تختبر صلابة الاحتياطيات القياسية:
يأتي هذا الضغط في وقت يمتلك فيه المغرب مستوى غير مسبوق من احتياطيات النقد الأجنبي. فقد بلغت الأصول الاحتياطية الرسمية، وفق المؤشرات الأسبوعية لبنك المغرب، حوالي 502.1 مليار درهم في 4 سبتمبر الجاري، بارتفاع نسبته 0.4% خلال أسبوع، و21.1% على أساس سنوي، بما يعادل نحو 54 مليار دولار. يمنح هذا الرصيد الاقتصاد الوطني هامشًا مهمًا لامتصاص الصدمات الخارجية؛ إلا أن الرهان لا يرتبط بحجم الاحتياطيات في حد ذاته بقدر ارتباطه بوتيرة استهلاكها إذا استقرت أسعار النفط والمنتجات المكررة عند مستويات مرتفعة. فكل اتساع في عجز المبادلات الطاقية يرفع الحاجة إلى النقد الأجنبي، خصوصًا إذا لم تواكبه زيادة مماثلة في المداخيل المتأتية من السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج والصادرات والاستثمارات الأجنبية.
بلغت الاحتياطيات 495.8 مليار درهم في نهاية يونيو الماضي، بزيادة تناهز 12% منذ بداية السنة، بعدما أنهت 2025 عند 442.9 مليار درهم، مسجلة نموًا سنويًا بنحو 18%. يوفر هذا المستوى تغطية تناهز خمسة أشهر و11 يومًا من الواردات؛ فيما وصل مؤشر ملاءمة الاحتياطيات إلى حوالي 136% وفق المعيار المعتمد من صندوق النقد الدولي.
تبرز أهمية الرصيد الحالي أكثر عند وضعه في سياقه التاريخي. فلم تكن احتياطيات المملكة تتجاوز نحو 22.8 مليار دولار قبل عشر سنوات، مقابل حوالي 17 مليار دولار في 2006. وقد ارتفعت لاحقًا إلى قرابة 49 مليار دولار في مارس من السنة الجارية، قبل أن تتجاوز عتبة 500 مليار درهم خلال الأشهر الأخيرة. استفاد هذا التراكم من تدفقات منتظمة للعملة الصعبة عبر مداخيل السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج والصادرات، إلى جانب ارتفاع قيمة بعض الأصول، خصوصًا الذهب. يضاف إلى ذلك خط الوقاية والسيولة بقيمة 4.5 مليارات دولار لدى صندوق النقد الدولي، الذي يشكل بدوره مظلة احترازية إضافية لمواجهة الصدمات الخارجية الكبيرة.
لكن قوة الاحتياطيات لا تلغي حجم المخاطر التي تحملها صدمة نفطية طويلة الأمد. فقد بلغت فاتورة واردات الطاقة خلال 2025 حوالي 114 مليار درهم، ضمن إجمالي واردات ناهزت 875 مليار درهم؛ ما يعني أن الطاقة استحوذت وحدها على نحو 13% من المشتريات الخارجية للمملكة. تظل هذه الكلفة دون المستوى القياسي المسجل خلال 2022، عندما قفزت الفاتورة الطاقية إلى حوالي 153 مليار درهم على خلفية الصدمة التي أحدثتها الحرب الروسية الأوكرانية في أسواق النفط والغاز؛ غير أن استمرار برنت فوق 100 دولار للبرميل، بالتوازي مع غلاء المنتجات المكررة، يعيد سيناريو الاقتراب من تلك المستويات إلى الواجهة، خصوصًا إذا امتدت الاضطرابات الحالية إلى الأشهر المقبلة.
لا يظهر أثر هذا الوضع في الاحتياطيات بشكل فوري أو آلي، إذ تواصل المملكة في المقابل تحصيل تدفقات مهمة من النقد الأجنبي؛ غير أن الخطر يكمن في اتساع الفجوة بين العملات الصعبة الداخلة وتلك الخارجة لتسديد المشتريات الخارجية. وكلما ارتفعت فاتورة الطاقة بوتيرة أسرع من نمو موارد السياحة والتحويلات والصادرات والاستثمارات، زاد الضغط على الحساب الجاري وعلى قدرة الاحتياطيات على مواصلة النمو بالمعدلات المسجلة أخيرًا.
تحركات سعر صرف الدرهم نحو الانخفاض:
أضافت تحركات سعر صرف الدرهم عاملًا آخر إلى معادلة الكلفة، بعدما فقدت العملة الوطنية 1.33% أمام الأورو، و1.55% أمام الدولار بين نهاية غشت وبداية شتنبر، قبل تسجيل تراجعات إضافية في الأسبوع الموالي. يكتسي سعر الدولار أهمية خاصة بالنسبة إلى الفاتورة الطاقية؛ بالنظر إلى تسعير جانب كبير من تجارة النفط والمنتجات البترولية عالميًا بالعملة الأمريكية. تتكون سلة مرجعية الدرهم من الأورو بنسبة 60% والدولار بنسبة 40%؛ ما يجعل تقلبات العملتين حاضرة بدورها في حساب كلفة الواردات. وفي حال تزامن ارتفاع النفط مع قوة الدولار، تصبح الصدمة مزدوجة بالنسبة إلى المستورد، بفعل ارتفاع سعر السلعة نفسها وزيادة كلفتها عند تحويلها إلى العملة المحلية.
على الرغم من هذه الضغوط، فإن المؤشرات الخارجية للمغرب تظل محاطة بهوامش أمان مهمة؛ فقد أكدت وكالة “ستاندرد آند بورز غلوبال ريتينغز” في نهاية مارس، التصنيف السيادي للمملكة عند الدرجة الاستثمارية “BBB”. وتشير التقديرات إلى بقاء عجز الحساب الجاري عند متوسط يقارب 2.4% من الناتج الداخلي الإجمالي خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2029. وبذلك، لا تطرح الزيادات الحالية في أسعار البنزين والغازوال إشكالا مرتبطًا فقط بكلفة التنقل والقدرة الشرائية أو مصاريف النقل والإنتاج، وإنما تعيد طرح معادلة أوسع تتعلق بحجم العملة الصعبة التي يحتاج إليها المغرب لتأمين حاجياته الطاقية. يوفر الرصيد القياسي من الاحتياطيات حاليًا خط دفاع قويًا في مواجهة الصدمة؛ لكن استمرار أسعار النفط والمنتجات المكررة عند مستويات مرتفعة سيحول الفاتورة الطاقية إلى اختبار حقيقي لوتيرة تراكم هذه الاحتياطيات خلال الفترة المقبلة. وتصبح الزيادة الجديدة المسجلة في المحطات، بهذا المعنى، مؤشرًا محليًا على ضغط مصدره الأسواق الدولية. فكل درهم إضافي تدفعه السوق مقابل واردات الطاقة يمثل جزءًا من تدفقات النقد الأجنبي الخارجة من الاقتصاد. وبين احتياطيات تجاوزت 500 مليار درهم وفاتورة طاقية مرشحة للارتفاع، يبقى طول أمد الصدمة النفطية العامل الحاسم في تحديد مدى قدرة المغرب على الحفاظ على وسادة الصرف الحالية، دون أن تتحول كلفة الطاقة إلى مصدر استنزاف متزايد لها.
اقتصاد
اقتصاد
سياسة
سياسة