تنويه
هذا الخبر بعنوان "زحف "الكاش" يمتحن نجاعة خطط "بنك المغرب" لتوسيع الأداء الرقمي" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 13 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يواجه بنك المغرب تحديات متزايدة في خططه لتوسيع استخدام وسائل الدفع الإلكترونية، وذلك في ظل استمرار ارتفاع حجم النقد المتداول. فقد بلغ هذا الحجم 550.3 مليار درهم بنهاية غشت 2026، مقارنة بـ 491 مليار درهم في نهاية العام السابق، مسجلاً زيادة قدرها 12.1% خلال ثمانية أشهر، أي ما يعادل 59.3 مليار درهم إضافية في التداول النقدي. وقد كشفت معطيات التقرير السنوي لبنك المغرب لعام 2025 عن تسارع نمو النقد المتداول بنسبة 18.5% خلال العام الماضي، مقارنة بـ 5.2% في عام 2024، ليصل إلى ما يعادل 28.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة عالمياً. كما تجاوز حجمه خلال العام الحالي ضعف مستواه المسجل قبل جائحة كورونا، والذي كان حوالي 266 مليار درهم في عام 2019.
تشير المؤشرات إلى أن استمرار الطلب على السيولة يرتبط بعوامل هيكلية، أبرزها اتساع الاقتصاد غير المهيكل، الذي قدر البنك المركزي حجمه بحوالي 34% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 2021-2023. بالإضافة إلى ذلك، تلعب الاعتبارات الجبائية وضعف الشمول المالي واكتناز الأموال خارج المؤسسات البنكية دوراً في هذا الاتجاه. وتضاف إلى هذه العوامل عادات استهلاكية وتجارية راسخة تفضل التعامل المباشر بالنقد، خاصة في الأسواق التقليدية والأنشطة ذات المعاملات الصغيرة والمتكررة.
دفعت هذه التطورات البنك المركزي إلى تسريع إجراءات تقليص هيمنة النقد، من خلال توسيع شبكة التجار الذين يقبلون الدفع الإلكتروني، ومراجعة تسعير خدمات الدفع الرقمي، وإنشاء صندوق لتطوير القبول، واعتماد منصة موحدة للدفع الفوري بواسطة رمز "QR". كما تم العمل على رقمنة التحصيل والصرف العموميين، ومواصلة دراسة إصدار عملة رقمية للبنك المركزي. وقد وضعت هذه الإجراءات نجاعة السياسات الرامية إلى تقليص الاعتماد على النقد أمام اختبار عملي، خاصة وأن انتشار البطاقات البنكية وحلول الدفع الحديثة لم ينعكس بعد على حجم السيولة المتداولة. وقد قدرت الكلفة الاقتصادية لتدبير النقد بحوالي 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023.
يتمثل التحدي الأساسي في الانتقال من توفير وسائل الدفع إلى ضمان استخدامها الفعلي، بما يسمح بتقليص السحوبات النقدية وإعادة توجيه جزء من الأموال المتداولة خارج البنوك نحو القنوات المالية المنظمة. وقد أظهرت بيانات بنك المغرب استمرار تفوق السحوبات النقدية على المدفوعات بالبطاقات البنكية، حيث بلغت قيمة السحوبات 403 مليارات درهم في عام 2024، مقابل 63 مليار درهم فقط للمدفوعات، على الرغم من ارتفاع عدد عمليات الدفع بنسبة 17% إلى 192.5 مليون عملية. ولم يتغير هذا الاتجاه بشكل ملموس خلال عام 2025، إذ ارتفع عدد البطاقات البنكية بنسبة 7.7% إلى 23.5 مليون بطاقة، بينما استحوذت السحوبات على 85% من قيمة العمليات، مقابل 86% في عام 2024، مما يعكس استمرار استخدام البطاقات أساساً للحصول على السيولة بدلاً من تسوية المشتريات.
في المقابل، تحسنت مؤشرات الشمول المالي، بارتفاع نسبة البالغين الحاملين لحساب بنكي إلى 62% في عام 2025، مقارنة بـ 58% في عام 2024. وبلغ عدد حسابات الدفع 16.3 مليون حساب، دون أن يواكب هذا التوسع تراجع مماثل في الاعتماد على النقد. ويكشف هذا التباين أن امتلاك حساب بنكي أو بطاقة دفع لا يعني بالضرورة استخدامهما بانتظام، في ظل استمرار تفضيل عدد من التجار والمستهلكين تسوية معاملاتهم نقداً. وفي هذا السياق، اعتبر عمر زودين، الخبير في الهندسة المالية والسياسات النقدية، أن استمرار ارتفاع النقد المتداول يطرح إشكالية تتجاوز توفير البنيات التحتية للدفع الإلكتروني، لترتبط بطبيعة العلاقات المالية داخل الاقتصاد الوطني، خاصة في الأنشطة التجارية والخدماتية التي تعتمد على المعاملات النقدية المباشرة.
وأوضح زودين، في تصريحات لهسبريس، أن قياس نجاعة السياسات الرامية إلى تقليص استخدام النقد لا ينبغي أن يقتصر على عدد البطاقات المصدرة أو العمليات الإلكترونية، بل يجب أن يشمل تطور حصة النقد في المعاملات اليومية، وقدرة المؤسسات المالية على استقطاب التدفقات المالية خارج القنوات البنكية. وأشار إلى أن توسيع العرض الرقمي لا يكفي لتغيير سلوك المتعاملين ما دامت الدوافع الاقتصادية والعملية للاحتفاظ بالنقد قائمة. وأبرزت السحوبات الموسمية حجم الضغوط على منظومة السيولة، بعدما بلغت السحوبات الصافية من شبابيك بنك المغرب خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 27 ماي الماضي، المتزامنة مع عيد الأضحى، حوالي 27.2 مليار درهم، بزيادة 27% مقارنة بعام 2024، ليرتفع النقد المتداول إلى 543.2 مليار درهم بنهاية ماي، قبل تراجعه بنحو 10.6 مليارات درهم في يونيو.
وأشار الخبير ذاته إلى أن اتساع القطاع غير المهيكل يحد من فعالية جهود تقليص التداول النقدي، بالنظر إلى ارتباط جزء من المعاملات التجارية باعتبارات التتبع المحاسبي والتصريح الجبائي، مؤكداً ضرورة معالجة الحوافز الاقتصادية التي تدفع بعض المهنيين إلى تفضيل السيولة، عوض الاقتصار على تعميم التجهيزات الإلكترونية. وتبرز ضمن هذه الإشكالية ظاهرة اكتناز الأموال خارج المؤسسات البنكية، التي تعززت خلال الأزمة الصحية، حين ارتفع النقد المتداول بنسبة 20.1% في عام 2020. وكان بنك المغرب ربط تباطؤ نمو السيولة في عام 2024، جزئياً، بعملية التسوية الطوعية للوضعية الجبائية للأشخاص الذاتيين، قبل عودة الطلب على النقد إلى التسارع في العام الماضي، بما يعكس تأثير الاعتبارات الجبائية في حركة الأموال خارج النظام البنكي.
وشدد زودين على أن استمرار ارتفاع النقد يفرض احتساب تكلفته الاقتصادية، بما يشمل نفقات الإصدار والنقل والتأمين والفرز، فضلاً عن تأثير الأموال المكتنزة على تعبئة الادخار وتمويل الاقتصاد، داعياً إلى مقاربة تجمع بين تعزيز الثقة وتبسيط الخدمات البنكية وإدماج الأنشطة غير المهيكلة. يراهن بنك المغرب على مراجعة النموذج الاقتصادي للدفع الإلكتروني لتجاوز العراقيل التي تحد من انتشاره لدى التجار والمهنيين، خاصة تكاليف قبول البطاقات وأجهزة الدفع، بما يسمح بتحويل وسائل الدفع المتاحة إلى أدوات مستخدمة بانتظام في المعاملات اليومية.
وشهد الإطار التنظيمي تطوراً مع دخول سقوف جديدة لعمولات التبادل حيز التنفيذ ابتداء من فاتح أكتوبر الجاري، بموجب القرار رقم 265/W/2026، إذ انخفض السقف العام إلى 0.5% للبطاقات المغربية، مقابل 0.65% سابقاً، وإلى 0.15% لتجارة القرب والمدفوعات الحكومية، مع منع تحميل عمولة القبول للزبون. وفي هذا الصدد، أوضح سليم شهابي، المستشار المالي والبنكي، أن مراجعة تسعير خدمات الدفع تشكل مدخلاً مهماً لتوسيع المعاملات الإلكترونية، غير أن فعاليتها ستظل مرتبطة بانعكاسها على التكلفة النهائية التي يتحملها التجار، باعتبار أن عمولة التبادل ليست سوى أحد مكونات التكلفة الإجمالية.
وأكد شهابي، في تصريحات للجريدة، أن تشجيع التجار على اعتماد أجهزة الدفع الإلكتروني يقتضي نموذجاً اقتصادياً واضحاً ومستقراً، يراعي حجم المعاملات وهوامش الربح وتكاليف التجهيزات والخدمات البنكية، مع توفير عروض ملائمة للأنشطة التجارية الصغيرة. ولفت إلى أن ارتفاع تكاليف قبول المدفوعات، ولو بنسب محدودة، قد يدفع بعض المهنيين إلى الاستمرار في التعامل النقدي، خاصة عندما تكون قيمة المشتريات الفردية منخفضة. وبرزت فرص توسيع الدفع الرقمي في ارتفاع حصة العمليات دون تلامس إلى 74% من المدفوعات عبر الأجهزة الإلكترونية في دجنبر 2024، مقابل 57% في عام 2023، إلى جانب نمو التجارة الإلكترونية بنسبة 20% إلى 38.5 مليون عملية، بقيمة قاربت 11 مليار درهم.
كما تجاوزت عمليات الدفع لدى التجار في عام 2025 عتبة 240 مليون عملية، بقيمة ناهزت 100 مليار درهم، وفق معطيات المركز المغربي للنقديات. وشدد المستشار المالي والبنكي على أن توسيع شبكة القبول يتطلب انتشار وسائل الدفع داخل الأسواق والمحلات الصغيرة والأنشطة الخدمية، وعدم حصرها في المؤسسات التجارية الكبرى، مع اعتماد حلول منخفضة التكلفة، خاصة التطبيقات التي تتيح قبول الدفع بواسطة الهواتف الذكية، وتبسيط إجراءات التعاقد مع مزودي الخدمات. وتندرج هذه التحركات ضمن مسار إصلاحي شمل فتح أنشطة الدفع أمام فاعلين جدد في عام 2017، وإطلاق الدفع عبر الهاتف المحمول في عام 2018، واعتماد الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي في عام 2019، قبل إدخال التحويل الفوري في عام 2023، وانتقال سوق الدفع بالبطاقات إلى نموذج متعدد المحصلين منذ نونبر 2024. غير أن النتائج المسجلة حتى الآن تبرز استمرار الفجوة بين تطور البنية التكنولوجية للدفع وتغيير الممارسات المالية لدى التجار والمستهلكين.
وموازاة ذلك، يتجه البنك المركزي إلى تعزيز رقمنة الرسوم والخدمات الإدارية وعمليات التحصيل والصرف العمومية، بما يشمل الدعم الاجتماعي والجبايات المحلية، لتوفير تدفقات منتظمة عبر منظومة الدفع الإلكتروني. وتكتسي هذه الخطوة أهمية بالنظر إلى حجم المعاملات التي تنجزها الإدارات والمؤسسات العمومية، وإمكانية توظيفها لتشجيع المواطنين على استخدام وسائل الدفع الرقمية في تسوية التزاماتهم المالية. واعتبر شهابي أن رقمنة التدفقات العمومية يمكن أن تشكل رافعة لتوسيع قاعدة المستخدمين، شريطة تبسيط المساطر وضمان سهولة الولوج وسرعة التنفيذ ووضوح التكاليف وحماية المعطيات المالية، باعتبارها عوامل أساسية لتعزيز الثقة. وتتواصل الدراسات الاستكشافية لبنك المغرب بشأن إصدار عملة رقمية للبنك المركزي، بعد نشر وثيقتين بحثيتين جديدتين مطلع أكتوبر الجاري، دون تحديد موعد للإصدار، في إطار مقاربة تدريجية تراعي تطور الاستخدامات وتحافظ على حرية المواطنين في اختيار وسائل الدفع.
أخبار ذات صلة
اقتصادتحديات ضريبية جسيمة تواجه حكومة المنصوري في مشروع "مالية 2027"
اقتصادبورصة الدار البيضاء تختتم تداولات الأربعاء على ارتفاع ملحوظ
اقتصادالجمارك تستخدم الطائرات المسيرة لكشف مستودعات تخزين البضائع المهربة في المدن الكبرى
اقتصاد
