المغرب
سياسة

خشوع القبور وجفاء الفاجعة: مفارقة مؤلمة في تكريم الموتى وإهمال الأحياء

هسبريس16 أكتوبر 2026 في 23:560 مشاهدة
خشوع القبور وجفاء الفاجعة: مفارقة مؤلمة في تكريم الموتى وإهمال الأحياء

تنويه

هذا الخبر بعنوان "للقُبُورِ خُشُوع .. ولِلْفَاجِعَة جفَاء!" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 16 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تردد الكاتب كثيرًا قبل الكتابة عن صورة مؤثرة، احترامًا لحرمة الموتى وتقديرًا لمشاعر الأحياء، وإجلالًا لمشهد يجمع بين رهبة المقابر ووقار الحاضرين. خشية أن تخونه الكلمات أمام صمت القبور أو يجرّه التأمل إلى ما لا يليق بالحزن، آثر الصمت برهة، ثم تساءل عن حق الصورة في البوح وعن واجب القلم في مساءلة المشهد دون المساس بكرامة أصحابه. الكاتب، المتأمل في الوجوه والظلال، يبحث في التفاصيل عن حكايات يغفلها الكلام، ويستوقف اللحظات التي يمر بها الآخرون مرور الكرام.

الصورة جمعت الوقار الرسمي والخشوع الديني وصمت الموتى؛ انحنت الرؤوس، وتشابكت الأيدي، وانتظمت الصفوف، وتزاحمت الشواهد المرقّمة، مذكّرة بأن أصحابها كانوا بشرًا لهم أسماء وأحلام وأوطان. لكن ما استوقف الكاتب بشدة هو سؤال مؤلم: كيف استطاع هؤلاء الراحلون أن يجمعوا هذا الحضور بعدما عجزوا في حياتهم عن إيجاد ممر آمن لأحلامهم؟ يا لقسوة المفارقة حين يصبح الوصول إلى المقبرة أيسر من الوصول إلى بر الأمان!

الكاتب يقرر الكتابة، ليس عن الواقفين أمام القبور، بل عن الراقدين فيها، وعن عالم يتقن فن الوقوف احترامًا للموت، ولا يتقن فن حماية الحياة. إسبانيا، التي لم تجد دائمًا طريقًا آمنًا للمهاجرين نحو الحياة، وجدت طريقًا سهلاً لقبورهم. لم تتسع الحدود لأحلام الأحياء، فاتسعت المقبرة للمسؤولين وعدسات المصورين وحراس البروتوكول. يظهر في مقدمة المشهد ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيثيا في خشوع، وخلفهما رجال السياسة والدين في مشهد منضبط؛ بدلات داكنة، نظارات سوداء، وأيدٍ تتشابك أو ترتفع بالدعاء. اجتمعت الأديان والمناصب والسلطات أمام الموت، في صورة تتقن لغة الاحترام وتترك أسئلة الحياة معلقة.

الشواهد الحجرية تحمل أرقامًا باردة (5397، 5377، 5376، 5392…) بدلًا من أسماء أصحابها، تختزل حياة كاملة في مساحة صغيرة من الحجر. في الحياة كانوا غرباء، وفي الموت أصبحوا ضيوف شرف في الصفوف الأمامية. القبور البيضاء والرمادية تبرز، بينما يقف أصحاب السلطة فوق أرض صلبة. المشهد يوحي بفارق المسافات بين عالم يمتلك المنابر والحماية والقدرة على العبور، وعالم انتهت رحلته عند حفرة من تراب ورقم لا ينطق باسمه أحد.

ما أروع قدرة السياسة على تنظيم الحزن! يعرف البروتوكول أماكن الوقوف، وكيفية الاصطفاف، ومتى تنحني الرؤوس، وأين تتجه الكاميرات. يمنح الموتى دقيقة صمت مهيبة، بينما تظل الأسئلة الأكثر إزعاجًا خارج إطار الصورة: من ضيّق مَسالك العُبور الآمن؟ منْ حوّل الحُدود إلى اختبار للبقاء؟ ومن يتحمَّل مسؤولية السياسات التي تدفع البشر إلى طرق أشد خطرًا؟

الصورة لا تحمل وحدها الإجابة ولا تمنح حق اتهام كل وجه فيها، لكنها تفتح بابًا واسعًا للمساءلة. الخشوع أمام الضحايا لا يعفي الدول من مراجعة قراراتها، واحترام القبور لا يعوّض حماية الأرواح، وحضور رجال الدين لا يحوّل المأساة إلى قدر لا دخل للسياسة فيه. الأكثر مرارة هو أن هؤلاء المهاجرين احتاجوا في حياتهم إلى اعتراف بإنسانيتهم، وحين ماتوا حصلوا على مشهد رسمي تتقدمه أعلى المقامات. صار الوصول إلى الموت أيسر من الوصول إلى الضفة الأخرى، وتكريم المهاجر الميت أقل تعقيدًا من إنقاذ المهاجر الحي.

تنحني الرؤوس أمام الحجارة، بينما يبقى السؤال منتصبًا: ما قيمة الانحناء أمام ضحايا الحدود، إذا ظل الأحياء يدفعون أرواحهم ثمنًا لعبورها؟ يا لها من حضارة بارعة في استقبال الموتى! تمنحهم مقابر مرقمة، ومراسم مهيبة، وصلوات متعددة الأديان، وصورًا تليق بالتاريخ. أما الأحياء، فما زال عليهم أن يثبتوا للحدود أنهم يستحقون الحياة قبل أن تمنحهم المقابر حق الاعتراف بوجودهم.

يغادر الكاتب الصورة مثقلًا بالأسئلة، مترددًا بين هيبة المشهد ومرارة المفارقة. لا يشكك في صدق الخشوع أو يستخف بحرمة الوقوف أمام القبور، لكنه يتساءل: ماذا لو حظي هؤلاء الراحلون، وهم أحياء، ببعض هذا الاهتمام، والوقار، والإنسانية التي جمعت حول رفاتهم كل هذه الوجوه؟ لعل بعضهم كان سيعود اليوم إلى أهله حاملًا حكاية نجاة بدلًا من أن يترك لهم رقمًا على شاهد قبر.

وما أعجب هذا العالم! يختلف على استقبال المهاجرين أحياء، ثم يجتمع على تكريمهم أمواتًا؛ يضيّق أمامهم معابر الحياة، ثم يفتح أمام قبورهم أبواب المراسم. الكاتب سيترك للصورة صمتها، وللضمائر أسئلتها، وللتاريخ ذاكرته، ويكتفي بمفارقة تختصر الحكاية: كم يحتاج الإنسان من الموت حتى يستحق من الأحياء كل هذا الاحترام؟ لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

شارك الخبر: