القطاع العقاري المغربي في مفترق طرق: ارتفاع التكاليف وتآكل القدرة الشرائية يهددان الانتعاش


هذا الخبر بعنوان "الإنعاش العقاري يواجه معادلة ارتفاع تكاليف البناء وضعف القدرة الشرائية" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 18 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يواجه المنعشون العقاريون في المغرب تحديات متزايدة تتمثل في ارتفاع تكاليف البناء المستمر وتراجع وتيرة تسويق الوحدات السكنية. هذا الوضع يضع المهنيين أمام معضلة صعبة تتمثل في ضرورة الحفاظ على هوامش الربح وتجنب زيادة أسعار البيع، في ظل تآكل القدرة الشرائية للأسر وصعوبة الحصول على التمويل البنكي، خاصة بالنسبة للمشترين الذين يستهدفون السكن الاقتصادي أو المتوسط.
تشير المعطيات المهنية إلى زيادات كبيرة في أسعار مواد البناء منذ عام 2019، حيث تراوحت بين 30% و50% لبعض المواد، بينما شهدت مواد أخرى ارتفاعات أعلى، مثل الآجر الذي تضاعف سعره، وحديد التسليح الذي ارتفع سعره بشكل كبير قبل أن يتراجع قليلاً. كما ارتفعت تكاليف اقتناء الأراضي، خصوصاً في المدن الكبرى كالدار البيضاء والرباط، حيث تجاوزت أسعار بعض البقع المخصصة للفيلات 10 ملايين درهم. وتضاف إلى ذلك الأعباء الجبائية، وتكاليف التمويل، وتأخر الحصول على التراخيص، مما يزيد من الكلفة الإجمالية للمشاريع العقارية.
تزامنت هذه التطورات مع تقلبات في السوق العقارية. فقد أظهرت بيانات بنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية ارتفاعاً في عدد المعاملات بنسبة 11% خلال الربع الثاني من عام 2026، بعد تراجع ملحوظ في الربع الأول. ومع ذلك، لم يتجاوز ارتفاع مؤشر أسعار الأصول العقارية 0.7% خلال الربع الثاني.
ارتفاع الكلفة يضغط على الأرباح
أدت الزيادات في أسعار مواد البناء إلى إعادة تقييم حسابات الاستثمار العقاري. أصبحت الميزانيات التقديرية للمشاريع عرضة لتعديلات متكررة، مما قلل من قدرة المنعشين على ضبط النفقات والحفاظ على مستويات الربحية المتوقعة. فقد ارتفعت أسعار الألومنيوم بنسبة 50%، والبلاط بنسبة 20%، والآجر بنسبة 100% منذ عام 2019. وبلغ سعر طن الإسمنت في المغرب حوالي 1600 درهم، مقارنة بأسعار أقل في دول مثل مصر وتركيا.
صرح نبيل بن المحجوب، منعش عقاري في الدار البيضاء، بأن الارتفاع المتراكم في أسعار مواد البناء والأراضي قد غيّر حسابات المنعشين، حيث أصبحت الكلفة الفعلية للمشاريع تتجاوز التقديرات الأولية. وأوضح أن المنعش العقاري لم يعد قادراً على نقل الزيادات في كلفة الإنتاج إلى أسعار البيع بشكل مباشر بسبب محدودية القدرة الشرائية للمشترين والمنافسة الشديدة، خاصة في قطاع السكن الاقتصادي والمتوسط.
تزداد صعوبة الوضع بالنسبة للمساكن ذات الأسعار المحددة أو المشاريع التي تم تسويق جزء من وحداتها مسبقاً. كما أن تكلفة العقار الخام، ومصاريف التهيئة، والجبايات المحلية، مثل الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية، تزيد من الأعباء. وأشار إلى أن طول المساطر الإدارية يؤدي إلى تجميد رؤوس الأموال وارتفاع تكاليف التمويل.
حذر بن المحجوب من أن استمرار هذه الوضعية قد يدفع المنعشين إلى تأجيل استثمارات جديدة، داعياً إلى تعبئة العقار العمومي بأسعار مناسبة، وتسريع الحصول على التراخيص، وتخفيف بعض الأعباء الجبائية.
ركود المبيعات يعمق اختلال التوازن
في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج، يواجه المنعشون صعوبة في تصريف المخزون السكني بسبب اتساع الفجوة بين أسعار الوحدات المعروضة والإمكانيات المالية للأسر. وقد أظهرت بيانات بنك المغرب والمحافظة العقارية تراجعاً في عدد المعاملات خلال الفصل الأول من عام 2026، وشمل هذا الانخفاض العقارات السكنية والأراضي والعقارات المهنية في مدن مختلفة مثل الرباط ومراكش والدار البيضاء وطنجة. ورغم تحسن نسبي في الفصل الثاني، إلا أن هذه الزيادات لم تعوض التراجع السابق.
يعتبر إسماعيل رياحي إدريسي، خبير عقاري، أن المشكلة الرئيسية تكمن في اتساع الفجوة بين أسعار العرض والقدرة الشرائية الفعلية للأسر. وأوضح أن تحسن المعاملات لا يعني بالضرورة خروج السوق من التباطؤ، لأن المؤشرات تشمل العقارات القديمة والجديدة، بينما تواجه مشاريع الإنعاش العقاري تحديات مرتبطة بطول آجال التسويق وارتفاع المخزون غير المباع.
تستمر صعوبات التمويل رغم استقرار سعر الفائدة الرئيسي لدى بنك المغرب. بلغ متوسط الفائدة على القروض العقارية حوالي 5.06% خلال الفصل الثاني. وارتفعت قروض الإنعاش العقاري بنسبة 11.8%، بينما ارتفعت قروض السكن الممنوحة للأسر بنسبة 2.3% فقط. وبلغ التمويل التشاركي للسكن زيادة بنسبة 16.3%.
أظهرت الحصيلة الحكومية استفادة أكثر من 105 آلاف شخص من برنامج الدعم المباشر للسكن. وأكد رياحي إدريسي أن البرنامج ساهم في تحفيز الطلب ضمن شرائح سعرية محددة، لكن أثره يظل مرتبطاً بتوفير عرض كافٍ من المساكن المؤهلة. واعتبر أن استعادة دينامية المبيعات تستوجب معالجة تكاليف الإنتاج وشروط التمويل بالتوازي.
عكست مؤشرات الإسمنت تفاوت نشاط البناء، حيث ارتفعت التسليمات بنسبة 19.31% في سبتمبر، لكن النمو التراكمي خلال الأشهر التسعة الأولى كان محدوداً. وتراجعت تسليمات الخرسانة مسبقة الصنع، بينما ارتفعت الخرسانة الجاهزة والبنيات التحتية. وتشير هذه الفوارق إلى أن تحسن استهلاك الإسمنت لا يعكس بالضرورة انتعاش البناء السكني، في ظل مساهمة الأوراش الكبرى في الطلب.
تبقى استعادة توازن السوق رهينة بخفض تكاليف الإنتاج، وتيسير الولوج إلى العقار، وتسريع التراخيص، بما يسمح بتوفير مساكن تتلاءم أسعارها مع الإمكانيات المالية للأسر، دون تعميق اختلالات المنعشين المالية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد