المغرب
سياسة

تأجيل الانتخابات الفلسطينية: مسؤولية الفصائل وتحديات الحل الوطني

العمق المغربي18 أكتوبر 2026 في 15:480 مشاهدة
تأجيل الانتخابات الفلسطينية: مسؤولية الفصائل وتحديات الحل الوطني

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أزمة تأجيل الانتخابات: المسؤولية فصائلية والمعالجة وطنية" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 18 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في الأنظمة السياسية المستقرة، تُحدد مواعيد الانتخابات بموجب قوانين واضحة، وتُعالج أي طارئ ضمن الأطر المؤسسية وبالتوافق المجتمعي، مما يحفظ الشرعية الدستورية ويعزز الثقة بالعملية الديمقراطية. أما في الحالة الفلسطينية، فغياب منظومة مؤسسية وقانونية مستقرة ومرجعيات وطنية فاعلة يجعل من السهل تحويل أي قضية إلى عنوان للصراع، ويفاقم الانقسامات المجتمعية.

ينطبق هذا الوصف على الانتخابات التشريعية وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني. فعلى الرغم من خصوصية الحالة الفلسطينية المتمثلة باستمرار الاحتلال وتواطؤ دول غربية، فإن أساليب التعاطي مع القضايا الوطنية ساهمت في تعميق الأزمة، خاصة مع اعتقاد البعض بإمكانية حسم القضايا المصيرية عبر المراسيم بمعزل عن الحوار الوطني والتوافق المجتمعي.

تتباين المواقف من الانتخابات التشريعية، ليس فقط حول إلزامية إنجازها، بل أيضاً حول وظيفتها السياسية ودورها في إعادة بناء النظام السياسي وتجديد شرعياته. وبدلاً من اعتبارها استحقاقاً وطنياً وديمقراطياً، تم إخضاعها لحسابات المصالح التنظيمية والفئوية، ومنطق الربح والخسارة، مما يحد من دورها الوطني والديمقراطي.

كان تأجيل الانتخابات نتاج تواطؤ بين فصائل تلاقت مصالحها عند تعطيل هذا الاستحقاق، مما يعيد طرح السؤال حول استعداد القوى الفلسطينية لتقديم المصلحة الوطنية على المصالح الفئوية، والتعامل مع الانتخابات كحق للشعب وأداة لتجديد شرعية مؤسساته، لا كورقة مساومة سياسية.

تتفق مختلف القوى السياسية الفلسطينية على توصيف التحديات التي ستجرى الانتخابات في ظلها، كاستمرار الاحتلال، والانقسام، والواقع الكارثي في قطاع غزة. لكن هذه التحديات ليست مستجدات، بل جزء من الواقع الفلسطيني الذي يفترض أن تتعامل معه القوى الوطنية بمسؤولية. وطرحها كذرائع للتأجيل يثير تساؤلات جدية حول الدوافع الكامنة، وما إذا كان التأجيل يتعلق بحسابات سياسية وتنظيمية لا تريد لبعض الاستحقاقات أن تفرض نفسها.

المفارقة أن التحديات ذاتها التي يستند إليها البعض لتبرير التأجيل، تتمسك بها فصائل أخرى كأسباب إضافية تؤكد ضرورة إجرائها. فمن وجهة النظر هذه، لا يمكن مواجهة الاحتلال، أو معالجة الانقسام، أو إنقاذ قطاع غزة، دون تجديد الشرعيات وإعادة الاعتبار للإرادة الشعبية.

رغم أن الانتخابات ليست حلاً سحرياً للأزمات، إلا أنها يمكن أن تشكل مدخلاً لإعادة بناء الحياة السياسية على أسس ديمقراطية وتشاركية. السؤال الحقيقي لا يتعلق بوجود التحديات، بل بكيفية التعامل معها: هل نجعل منها مبرراً لتعطيل الحياة الديمقراطية، أم حافزاً لتوحيد الجهود والتوافق على ضرورة إجرائها رغم الصعوبات؟

تطرح أسئلة مشروعة أمام القوى التي دعت إلى تأجيل الانتخابات. هل يتوقع أن يتغير التعاطي الإسرائيلي مع الضفة الغربية وقطاع غزة؟ هل سيتراجع مخطط الضم؟ هل ستتخلى الولايات المتحدة عن مخططاتها لفصل غزة عن الضفة؟ هل سينتهي الانقسام الفلسطيني؟ الإجابة تقع على عاتق القوى التي راهنت على إمكانية تحقيق اختراقات في معالجة التحديات التي اتخذتها مبرراً للتأجيل.

إذا كانت هذه التحديات هي السبب الفعلي وراء قرار التأجيل، وليست الحسابات الفصائلية أو الاعتبارات الإقليمية، فماذا سيكون موقف تلك القوى في حال مورس ضغط على السلطة لإعادة النظر بقرار التأجيل؟ وماذا سيكون موقفها عندما نصل إلى أيلول 2027 دون تقدم حقيقي؟ هل سنعود إلى المربع الأول وندعو مجدداً للتأجيل، محولين إياه إلى نهج دائم لتعطيل الحياة الديمقراطية؟ أم سنمتلك الإرادة السياسية لتحويل هذه التحديات إلى معركة وطنية شاملة؟

التراجع عن مرسوم التأجيل، أو تقديم موعد الانتخابات استجابة لرغبات غربية، ليس خياراً محبذاً، لما قد يترتب عليه من إضعاف لمصداقية السلطة الفلسطينية. القضية لا تتعلق برفض المواقف الدولية، بل بضرورة أن يكون القرار الفلسطيني مستقلاً، ومنبثقاً عن حوار وطني مسؤول، ومستنداً إلى المصلحة الوطنية العليا.

العودة عن مرسوم تأجيل الانتخابات تبدو مستبعدة في المرحلة الراهنة، مما يعني أننا أمام أزمة سياسية جدية، تتحمل مسؤوليتها الأطراف التي اتخذت قرار التأجيل ووافقت عليه، دون تقدير كافٍ لتداعياته. خطورة التأجيل لا تقتصر على تعطيل استحقاق انتخابي، بل تمتد إلى تعميق أزمة الثقة، وتكريس الانقسام، وإضعاف فرص تجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية.

قد يُقدم موعد الانتخابات نزولاً عند رغبات خارجية، أو قد تجرى في الموعد الجديد، لكن الواقع على الأرض قد يكون شهد تحولات جوهرية خلال هذه الفترة. هنا تكمن إحدى أبرز مخاطر التأجيل، التي ربما لم تكن حاضرة في أذهان من طالبوا به ودعموه.

رغم ذلك، فإن البحث عن مخارج للأزمة الراهنة هي مسؤولية وطنية تقع على عاتق كل حريص على القضية الفلسطينية. ويتطلب الوصول إلى الحل توافر إرادة سياسية حقيقية لمعالجة الأزمة، بعيداً عن الحسابات الفئوية والمصالح التنظيمية الضيقة. وهذا لن يتحقق إلا من خلال حوار وطني شامل، تشارك فيه جميع القوى الفلسطينية دون استثناء، ويكون قادراً على احتواء الخلافات، والتوصل إلى مخرجات توافقية وملزمة، تحمي المصلحة الوطنية وتقلل الخسائر، وتفتح الطريق أمام استعادة الوحدة والشراكة الوطنية.

شارك الخبر: