إمارة المؤمنين في المغرب: جدلية الأصالة الفقهية والمعاصرة البراغماتية في الدستور


هذا الخبر بعنوان "إمارة المؤمنين بالمغرب: بين الأصالة الفقهية والمعاصرة البراغماتية" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 18 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مقدمة: لطالما استندت الأسر الحاكمة في المغرب، منذ الإدارسة وصولاً إلى العلويين، إلى مفهوم البيعة الشرعية لتأسيس شرعية حكمها وتعميق نفوذها. البيعة، كمفهوم شرعي وديني في الفقه والفكر السياسي الإسلاميين، عرفها ابن خلدون في مقدمته بأنها العهد على الطاعة، حيث يعاهد المبايع أميره على تسليم النظر في أمره وأمور المسلمين، ويطيعه فيما يكلفه به. أما الماوردي، فقد تناولها في كتابه "الأحكام السلطانية والولايات الدينية" ضمن باب عقد الإمامة، رابطاً إياها بالإمامة التي اعتبرها "إمارة المؤمنين/ الخلافة"، وهي خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا. وقد أشار الماوردي إلى شروط الإمام وأهل العقد والحل، دون التطرق لشرط الإسلام، مما قد يُفهم منه أن إسلام الإمام هو الركن الأساسي. وبالتالي، فإن ولاية الحاكم في بلاد المسلمين، من المنظور الديني، مناطة بالبيعة الشرعية كتعاقد بين الإمام وأهل العقد والحل، يتعهد فيه الأول بحراسة الدين وسياسة الدنيا، ويلتزم الثاني بالسمع والطاعة في غير معصية الله. هذا التصور يتجلى بوضوح في الدستور المغربي لسنة 2011، حيث ينص الفصل 41 على أن "الملك، أمير المؤمنين وحامي الملة والدين..."، وهو واجب أسمى يتكامل مع الفصل الثالث الذي يؤكد على أن الإسلام دين الدولة.
الخطاب السياسي المعاصر وتوسيع مفهوم إمارة المؤمنين: في ظل هذا التحديد المفاهيمي الذي يقصر العلاقة على البيعة بين أطراف مسلمة، يعمد الخطاب السياسي الرسمي المغربي المعاصر إلى ضخ دلالات جديدة في مفهوم إمارة المؤمنين. ويتجلى ذلك في كلمة الملك محمد السادس عند استقبال البابا فرنسيس في مارس 2019، حيث اعتبر نفسه أميراً لجميع المؤمنين، مسلمين ويهود ومسيحيين. تطرح هذه النقلة المفاهيمية إشكالات معرفية وقانونية، حيث تضعنا أمام تقابل بين المدلول الشرعي والفقهي الصارم للمفهوم، والمقاربة التأويلية الدستورية والسياسية التي تسعى لتمطيط المفهوم لاستيعاب متطلبات الدولة الحديثة وحقوق الإنسان.
السؤال المحوري: إلى أي مدى يمكن للمفهوم المعاصر لإمارة المؤمنين "جميع المؤمنين" أن يستقيم فقهياً ولغوياً مع ركيزتي البيعة والنسب الشريف؟ وهل يمكن تحقيق أهداف "إمارة جميع المؤمنين" من خلال مقتضيات دستورية أخرى، ولا سيما الفصل 41 من دستور 2011؟
أولاً: المأزق الفقهي والتاريخي لـ"تمطيط المفهوم": بين البناء الشرعي والمجاز السياسي.
الحدود الفقهية الصارمة للمفهوم (البيعة، النسب الشريف، وعقد الذمة): تتأسس شرعية أمير المؤمنين في الفقه السياسي الإسلامي على شروط موضوعية وعقود شرعية لا يمكن إسقاطها على غير المسلمين إلا بتكلف. وتظهر هذه الاستحالة الفقهية في ثلاث ركائز أساسية:
ثانياً: آليات "التمطيط المقاصدي" والمجاز السياسي المعاصر.
لتجنب ما قد يعتبر مأزق الدولة "الثيوقراطية" الإقصائية، تقدم المؤسسة الدينية الرسمية قراءة مغايرة تعتمد على التأويل المقاصدي والمجاز السياسي، مستندة إلى الأدوات التالية:
ثالثاً: الهندسة الدستورية للفصل 41: بنية النص والفصل الوظيفي للمؤسسة الملكية.
تعامل الدستور المغربي لسنة 2011 مع هذه المعضلة بذكاء قانوني ونحوي، من خلال تفكيك النص الدستوري ليبين كيف نجح المشرّع، عبر الصياغة النحوية وعلامات الترقيم، في حل التناقض بين الهوية الإسلامية للدولة ومتطلبات الدولة المدنية الحديثة.
1: البنية النحوية للفصل 41 (دلالة الفاصلة وواو العطف): ينص الفصل 41 من الدستور المغربي لسنة 2011 في فقرته الأولى على ما يلي: "الملك، أمير المؤمنين وحامي الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية." التحليل الدقيق لبنية هذه الجملة يكشف عن فصل وظيفي صارم تم عبر الترتيب النحوي وعلامات الترقيم.
2- الأبعاد القانونية والسياسية للفصل الوظيفي بين "الملك" و"أمير المؤمنين":
خاتمة: تمثل عبارة "أمير جميع المؤمنين" (بمفهومها الشامل للأديان الثلاثة) نموذجاً لمنهجية السلطة في التمطيط الدلالي للمفاهيم السياسية والدينية، الذي يحاول إخراج مفهوم إمارة المؤمنين من دلالته الفقهية الأصيلة ليؤدي وظيفة سياسية ودبلوماسية حديثة. لقد تبيّن من خلال التحليل الفقهي أن ركيزتي البيعة والنسب الشريف، إلى جانب الخصوصية العقدية للإيمان، تجعل من الصعب لغوياً وشرعياً سحب هذا اللفظ على جميع المؤمنين، إلا على سبيل المجاز ولتحقيق غايات سياسية. ومع ذلك، أظهر التحليل الدستوري عبقرية المشرّع المغربي في صياغة الفصل 41، حيث نجحت "الفاصلة الدستورية" وواو العطف في إحداث فصل وظيفي صارم، يحمي أصالة المنصب الروحي لأمير المؤمنين بحماية الملة الإسلامية، وفي نفس الوقت يؤسس لمعاصرة الدولة، باعتبار الملك الدستوري رئيس الدولة، الضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية لكل الطوائف. إن محاولة المؤسسات الرسمية بالمغرب من أجل إعادة تدوير وتحوير بعض المفاهيم الشرعية والفقهية "إمارة المؤمنين" قد تدفع إلى الاعتقاد بأن الغاية قد تتجاوز ما هو معلن، إلى محاولة تستهدف تمييع المؤسسات الشرعية وتقويض مصادر مشروعيتها. وإن من شأن هذه المناورات اللغوية والسياسية لتطويع النصوص الشرعية والنصوص الدستورية، أن تساهم في فقدان هذه المؤسسات مكانتها الاجتماعية وشرعيتها الدينية وأصالتها التاريخية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة