قيود الحجاب تثير أزمة دبلوماسية بين تركيا وأذربيجان: خلافات غير مسبوقة تتكشف


هذا الخبر بعنوان "تقييد ارتداء الحجاب يثير خلافات دبلوماسية غير مسبوقة بين تركيا وأذربيجان" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 19 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد العلاقات بين تركيا وأذربيجان توتراً دبلوماسياً ملحوظاً، على خلفية القيود التي فرضتها باكو على ارتداء الحجاب داخل المؤسسات التعليمية، وسط تباين في المواقف بشأن العلاقات مع إسرائيل. هذا التطور غير مألوف بين حليفين تجمعهما روابط تاريخية ولغوية واستراتيجية، اعتادا اختصار طبيعة علاقتهما بشعار “أمة واحدة ودولتان”. يسعى مسؤولون من البلدين لاحتواء الخلاف والحفاظ على المصالح المشتركة.
تصاعد التوتر بعد انتقاد أوكتاي سارال، كبير مستشاري الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، للإجراءات التي اعتمدتها السلطات الأذربيجانية في سبتمبر الماضي، والتي تمنع ارتداء الملابس غير المتوافقة مع الزي المدرسي ومبادئ علمانية الدولة. اعتبر سارال أن هذه القيود تمس حرية ارتداء الحجاب، وطالب باكو بمراجعة موقفها. وفي منشور على منصة “إكس”، وصف سارال الإجراءات الجديدة بأنها “غير مقبولة”، مؤكداً أن ارتداء الحجاب “مقتضى من مقتضيات الإيمان”، وأضاف: “نتوقع من أذربيجان أن تتراجع عن هذا الخطأ في أقرب وقت ممكن”. أثار هذا التصريح ردود فعل داخل الأوساط السياسية الأذربيجانية.
جاء الرد من حزب “أذربيجان الجديدة” الحاكم، الذي يتزعمه الرئيس إلهام علييف، إذ اتهم الجانب التركي بشن “حملة تضليل تزداد عدوانية ومنهجية وتتسم بالتشهير العلني”، مما يشير إلى تصاعد حدة الخلاف الذي انتقل من انتقادات مرتبطة بقرار إداري إلى سجال سياسي بين مسؤولين في البلدين.
تكشف هذه الأزمة عن اختلاف في مقاربة البلدين للعلاقة بين الدين والدولة. تتمسك أذربيجان، التي ورثت نظامها العلماني عن الحقبة السوفياتية، بالفصل بين المؤسسات الرسمية والمظاهر الدينية. في المقابل، يتبنى حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا توجهاً إسلامياً محافظاً، جعل الدفاع عن ارتداء الحجاب أحد الملفات البارزة في خطابه السياسي والاجتماعي. رغم هذا الاختلاف، حافظ البلدان خلال السنوات الماضية على تعاون وثيق شمل المجالات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، خصوصاً خلال الحرب التي خاضتها أذربيجان ضد أرمينيا سنة 2020، عندما قدمت أنقرة دعماً سياسياً وعسكرياً لباكو، ما عزز موقع تركيا كأحد أبرز حلفاء أذربيجان في منطقة جنوب القوقاز.
إسرائيل في خلفية الخلاف
أعاد الجدل الحالي إلى الواجهة مسألة العلاقات المتنامية بين أذربيجان وإسرائيل، التي أصبحت شريكاً مهماً لباكو في المجالات العسكرية والتكنولوجية، بعدما أسهم التعاون العسكري الإسرائيلي في تعزيز القدرات الأذربيجانية خلال حربها الثانية مع أرمينيا سنة 2020. وتزداد حساسية هذا الملف بالنظر إلى التباين الحاد بين الموقفين التركي والأذربيجاني تجاه إسرائيل. يتبنى الرئيس رجب طيب أردوغان خطاباً شديد الانتقاد للعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، ويتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، كما يواصل استقبال مسؤولين من حركة حماس. في حين تحافظ باكو على علاقاتها مع إسرائيل انطلاقاً من اعتبارات أمنية وعسكرية واقتصادية.
أثار هذا التباين سجالاً في الصحافة التركية، بعدما نشرت صحيفة “يني شفق” افتتاحية ربطت فيها القيود المفروضة على الحجاب بالتقارب بين أذربيجان وإسرائيل، مقدمة القرار باعتباره خطوة يمكن قراءتها في سياق العلاقات بين باكو وتل أبيب. رفض الحزب الحاكم في أذربيجان هذا التفسير بصورة قاطعة. ورد حزب الرئيس إلهام علييف على هذه الاتهامات قائلاً: “نرفض بشدة محاولات التشويه المتعمد للعلاقات بين أذربيجان وإسرائيل، وتحويلها إلى ذريعة لتوجيه اتهامات سياسية”. يعكس هذا الموقف تمسك باكو باستقلالية خياراتها الخارجية ورفضها إخضاع علاقاتها الدولية لمواقف حلفائها.
يرى مراقبون أن حدة الرد الأذربيجاني تعكس التحولات التي شهدها موقع باكو الإقليمي خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد تعزيز قدراتها العسكرية وتوسيع شراكاتها الاقتصادية، ما منحها هامشاً أوسع للتحرك الدبلوماسي وإدارة علاقاتها مع القوى الإقليمية وفق حسابات تتصل بمصالحها الوطنية. وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي المستقل فؤاد شهبازوف، في تصريح لوكالة فرانس برس، إن التحولات الجيوسياسية أتاحت لأذربيجان اعتماد سياسة خارجية أكثر براغماتية، مؤكداً أن البلاد “تقاوم بصورة قاطعة محاولات جيرانها انتهاك سيادتها”. تشير هذه القراءة إلى أن أذربيجان باتت أكثر استعداداً للدفاع عن قراراتها الداخلية وخياراتها الخارجية، حتى عندما تثير تحفظات لدى تركيا، التي تعد شريكها السياسي والعسكري الأبرز، وهو ما يفسر حدة التفاعل مع التصريحات التركية بشأن الحجاب والعلاقات مع إسرائيل.
مساع لاحتواء التوتر
أمام تصاعد السجال، برزت مواقف تركية تدعو إلى التهدئة وتجنب تحول الاختلافات إلى أزمة أوسع. أكد كورشاد زورلو، نائب رئيس حزب العدالة والتنمية، أن الحلفاء يعرفون كيف يناقشون مشكلاتهم “داخل الأسرة الواحدة”، في إشارة إلى أهمية الحفاظ على قنوات الحوار وتجنب التصعيد عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما حرص وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، خلال مشاركته في قمة إقليمية بالعاصمة الأذربيجانية باكو، على التأكيد على متانة العلاقات بين قيادتي البلدين، مشيداً بـ”الرابطة التي لا تتزعزع” بينهما، رغم ما مرت به العلاقات الثنائية من فترات صعبة.
تعكس هذه التصريحات رغبة في الفصل بين السجال السياسي الذي أثارته قضية الحجاب والأسس الاستراتيجية التي يقوم عليها التحالف، بالنظر إلى حجم التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين، والمصالح المرتبطة بالطاقة والنقل والربط التجاري بين أوروبا وآسيا. ويرى محللون أن العلاقات بين أنقرة وباكو تقوم على شبكة من المصالح يصعب تجاوزها، خصوصاً في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة جنوب القوقاز، وحاجة الطرفين إلى الحفاظ على التعاون في الملفات الأمنية والاقتصادية، دون أن يمنع ذلك ظهور اختلافات بشأن بعض القضايا الداخلية والإقليمية. وتبدو هذه الحسابات حاضرة في تصريحات المسؤولين الأتراك الذين حرصوا على تجنب توجيه انتقادات مباشرة إلى القيادة الأذربيجانية، مقابل مواقف أكثر حدة صدرت عن مسؤولين ومستشارين سياسيين، ما يعكس محاولة إبقاء الخلاف ضمن حدود تسمح بمعالجته دبلوماسياً.
الطاقة تعزز أوراق باكو
يشكل قطاع الطاقة أحد أبرز عناصر الترابط بين أنقرة وباكو، إذ ترتبط الدولتان بشراكات طويلة الأمد في نقل الغاز والنفط، فيما تؤدي تركيا دوراً مهماً في عبور موارد الطاقة الأذربيجانية نحو الأسواق الأوروبية، الأمر الذي يجعل استمرار التعاون ضرورة اقتصادية واستراتيجية للطرفين. وقال إيفان كليشتش، الباحث في المركز الدولي للدفاع والأمن بالعاصمة الإستونية تالين، إن أذربيجان لا تستطيع التفريط في شريك مهم مثل تركيا، خصوصاً في ظل العلاقات التي تشهد توتراً أحياناً مع موسكو، والحرب الدائرة في إيران القريبة من حدودها. وأضاف الباحث أن التعاون في مجال الطاقة، الذي بدأ قبل ظهور الخلاف الحالي بسنوات، يكتسي أهمية كبيرة بالنسبة إلى البلدين، مشيراً إلى أن أذربيجان تشكل بالنسبة إلى تركيا بوابة أساسية نحو آسيا الوسطى، وهي منطقة تحظى بمكانة استراتيجية في الحسابات الإقليمية لأنقرة.
يمنح الموقع الجغرافي لأذربيجان هذا التحالف بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية، بحكم دورها في مشاريع الربط والنقل والطاقة بين بحر قزوين وتركيا، ومن ثم الأسواق الأوروبية، وهي مشاريع تسعى أنقرة إلى تعزيزها ضمن توجهها لترسيخ موقعها ممراً رئيسياً للتجارة والطاقة بين القارتين الأوروبية والآسيوية. ورغم التفوق الديمغرافي والاقتصادي التركي، يشير محللون إلى أن باكو تمتلك أوراقاً تفاوضية مهمة، وفي مقدمتها موارد الطاقة وموقعها الجغرافي وصلاتها بدول آسيا الوسطى، ما يمنحها قدرة على الدفاع عن اختياراتها دون الاضطرار إلى الدخول في مواجهة مفتوحة مع أنقرة. واعتبر فؤاد شهبازوف أن الاختبار الحاسم للعلاقات بين البلدين سيتوقف على الموقف التركي خلال المرحلة المقبلة ومدى استعداد أنقرة للعودة سريعاً إلى المسار الدبلوماسي لمعالجة الخلاف، مشيراً إلى أن موارد الطاقة وإمكانية الوصول إلى آسيا الوسطى تمنحان أذربيجان قوة تفاوضية مؤثرة.
وفي تطور آخر يزيد حساسية العلاقات الثنائية، أعلنت السلطات الأذربيجانية، الجمعة، إصدار مذكرة توقيف دولية بحق الكاتب الصحافي التركي جلال شيفتشي، الذي يكتب في صحيفة “شانلي أورفا أولاي” المحلية، بعدما اتهمته النيابة العامة بالدعوة إلى تنفيذ “انقلاب” في أذربيجان والترويج لـ”التطرف الديني”. ويضيف هذا الإجراء القضائي عنصراً جديداً إلى الخلاف القائم، خصوصاً أنه يتعلق بصحافي تركي متهم بالتدخل في الشؤون السياسية والأمنية الأذربيجانية، في وقت تتصاعد فيه حساسية باكو تجاه ما تعتبره محاولات خارجية للتأثير في قراراتها السيادية.
تضع هذه التطورات العلاقات التركية الأذربيجانية أمام اختبار دبلوماسي تتداخل فيه الخلافات بشأن الدين والعلاقات مع إسرائيل والمواقف السياسية المتبادلة. غير أن استمرار التعاون في الطاقة والدفاع والربط الإقليمي يجعل احتواء الأزمة خياراً يخدم المصالح الاستراتيجية للبلدين. وستتحدد ملامح المرحلة المقبلة بمدى قدرة أنقرة وباكو على ضبط الخطاب السياسي وإعادة الخلافات إلى القنوات الدبلوماسية، في ظل حرص المسؤولين على تأكيد متانة التحالف الذي جمعهما خلال مراحل إقليمية معقدة، واستمرار تمسك أذربيجان بحقها في إدارة سياستها الداخلية وعلاقاتها الخارجية وفق أولوياتها الخاصة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة