أزمة المياه في زاكورة: كيف أعادت ندرة الموارد تشكيل أدوار المجتمع المدني والسلطات؟


هذا الخبر بعنوان "أزمة الماء الصالح للشرب بإقليم زاكورة وأدوار الفاعلين" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 21 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وجهة نظر ياسر بن القائد 21 أكتوبر 2026 - 15:21
تتجاوز أزمة المياه الصالحة للشرب في إقليم زاكورة كونها مجرد أزمة موارد، لتكشف عن تحديات أعمق في بنية التدبير العمومي المحلي. فمع اشتداد الضغط على هذا المورد الحيوي، لا تقتصر التغييرات على طرق تدبيره فحسب، بل قد تمتد لإعادة تشكيل وظائف الفاعلين المحليين وحدود تدخلهم. تقدم أزمة المياه في زاكورة مثالاً بارزاً على هذا التحول، حيث فرضت ضرورة تدبير الندرة إدماج المجتمع المدني في خدمة المياه، متجاوزاً في بعض الحالات الإطار الدستوري والقانوني لوظيفته. يسعى هذا المقال للإجابة على سؤال: كيف أعادت أزمة المياه في زاكورة تشكيل دور المجتمع المدني ضمن منظومة التدبير المحلي؟
تكتسب هذه القراءة أهمية خاصة في السياق المغربي، الذي يؤكد فيه دستور 2011 على مبادئ الديمقراطية المواطنة والتشاركية، والحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما تبنى الدستور مقاربة متقدمة للتنظيم الترابي تقوم على اللامركزية والمشاركة المواطنة والجهوية المتقدمة. من الناحية القانونية، منح الدستور والقوانين التنظيمية للجماعات مكانة محورية في تدبير الشأن المحلي، وخوّل للمجتمع المدني أدواراً في اقتراح السياسات العمومية وتتبع تنفيذها وتقييمها. إلا أن الاختبار الحقيقي لهذه المبادئ يظهر في لحظات الأزمات، حين تصبح قدرة المؤسسات على ممارسة اختصاصاتها مرهونة بمواردها وإمكانياتها.
تكشف تجربة زاكورة عن فجوة بين الاختصاص القانوني والقدرة الفعلية على التدبير. فالمادة 83 من القانون التنظيمي للجماعات الترابية 113.14 تنص على أن الجماعة تقوم بإحداث وتدبير المرافق والتجهيزات العمومية، بما في ذلك المساهمة في توزيع الماء الصالح للشرب، مما يجعل تدبير قطاع الماء من اختصاصاتها الذاتية. لكنها تواجه تحديات تتجاوز إمكاناتها المالية والتقنية والبشرية. وقد لوحظ ذلك مع تزايد الضغط الاجتماعي الناتج عن ندرة المياه، والذي أدى إلى احتجاجات في الإقليم عام 2017 عُرفت إعلامياً بـ "احتجاجات العطش". في ظل هذه الظروف، يصبح امتلاك الاختصاص وحده غير كافٍ لتوجيه السياسات العمومية الترابية. ومع اتساع الفجوة، لم تعد الجماعة قادرة على تدبير القطاع بمفردها، مما فتح المجال أمام فاعلين آخرين، كالمجتمع المدني، للاضطلاع بأدوار لم تكن ضمن اختصاصاتهم الأساسية.
يمكن تفسير تجربة إقليم زاكورة في ضوء أدبيات الحوكمة متعددة المستويات، التي تنظر إلى صنع السياسات العمومية كنتاج لتوزع الصلاحيات والمسؤوليات بين مستويات مختلفة من السلطة (محلية، وطنية، دولية)، وبمشاركة فاعلين حكوميين وغير حكوميين. لكن ما تكشفه هذه التجربة لا يقتصر على تعدد المتدخلين، بل يتمثل في إعادة تشكيل أدوارهم بحكم ضرورة الأزمة. فلم يعد دور كل فاعل يتحدد بالاختصاصات القانونية فحسب، بل بقدرته على تعبئة الموارد والاستجابة السريعة لمتطلبات الأزمة.
أظهرت النتائج الأولية للبحث الميداني بالإقليم أن تدخل جمعيات المجتمع المدني لم يكن في الأصل رغبة مسبقة في إدارة قطاع الماء، بل استجابة مباشرة لتحديات مؤسساتية فرضتها حدة الأزمة. وقد ساعد قرب هذه الجمعيات من الساكنة ومعرفتها بخصوصيات المجال على ضمان استمرارية تزويد بالماء. تكمن أهمية هذه التجربة ليس فقط في فعاليتها التدبيرية، بل فيما تكشفه من تحول في وظيفة المجتمع المدني. فبدلاً من أن يظل فاعلاً يساهم في اقتراح السياسات العمومية وتتبعها وتقييمها، أصبح يؤدي، بحكم الواقع، وظائف تنفيذية يومية، مما جعله المسؤول الرئيسي في نظر المواطنين عن تدبير خدمة عمومية يفترض أن تتحمل المؤسسات المنتخبة مسؤوليتها.
يطرح هذا التحول سؤالاً جوهرياً يتجاوز فعالية التدخلات الميدانية. فتوسع انخراط المجتمع المدني في تنفيذ السياسات العمومية قد يقلص المساحة المتاحة له للقيام بوظيفته الدستورية كقوة اقتراح وترافع ورقابة. ولا يعني ذلك فقدان الجمعيات لاستقلاليتها، بل يشير إلى تحول وظيفي فرضته ضرورات تدبير الأزمة، حيث انتقل المجتمع المدني تدريجياً من ممارسة أدوار الترافع والتقييم إلى الاضطلاع بوظائف تنفيذية.
في المقابل، تعززت مكانة ممثلي السلطة العمومية المركزية على المستوى المحلي، بصفتهم الجهة الأكثر قدرة على تعبئة الموارد، والتنسيق بين المتدخلين، وتسريع إنجاز المشاريع الاستعجالية. وينتج عن ذلك إعادة توزيع للقدرة الفعلية على اتخاذ القرار داخل المجال الترابي دون تعديل رسمي للاختصاصات القانونية. فالفاعل الذي يمتلك الموارد يصبح، عملياً، الأكثر تأثيراً في توجيه القرار العمومي، حتى وإن لم يكن صاحب الاختصاص الأصلي. إنها إعادة توزيع للاختصاصات بحكم الواقع أكثر منها بحكم القانون.
لا تتمثل النتيجة الأهم لتجربة إقليم زاكورة في تعدد المتدخلين في تدبير الماء، بل في التحول الذي عرفته العلاقة بينهم. فبينما تحتفظ الجماعة الترابية باختصاصها القانوني، تتولى السلطات العمومية المحلية قيادة جانب مهم من التدخلات، في حين يضطلع المجتمع المدني بوظائف تنفيذية متنامية فرضتها ضرورات الأزمة. وبهذا المعنى، لا يعاد توزيع الاختصاصات القانونية، بل يعاد، بحكم الواقع، توزيع الأدوار داخل منظومة التدبير المحلي.
لا يدعو هذا التحليل إلى تقليص دور المجتمع المدني أو الحد من انخراطه، بل إلى إعادة التوازن بين وظائف مختلف الفاعلين المحليين بما ينسجم مع دستور 2011. فإشراك المجتمع المدني يكتسب قيمته الديمقراطية من خلال المشاركة في اقتراح السياسات العمومية وتتبع تنفيذها وتقييمها، لا عندما تتحول بفعل الأزمة إلى بديل عن الفاعل العمومي في تدبير الخدمات الأساسية. كما أن تعزيز اللامركزية لا يتحقق بمجرد إسناد الاختصاصات، بل يقتضي تمكين الجماعات الترابية من الموارد والإمكانات الكفيلة بممارسة تلك الاختصاصات فعلياً.
تتجاوز أهمية تجربة زاكورة حدود الإقليم، لأنها تكشف دينامية قد تتكرر في مجالات ترابية أخرى تواجه ضغوطاً بيئية متزايدة. فالأزمات لا تؤثر فقط في تدبير الموارد، بل قد تعيد، بحكم الواقع، تشكيل أدوار الفاعلين المحليين دون تعديل في الإطار القانوني. وعليه، فإن نجاح سياسات التكيف مع ندرة المياه لا يقاس فقط بضمان الأمن المائي، بل أيضاً بقدرتها على الحفاظ على التوازن بين متطلبات التدبير الاستعجالي والأدوار الدستورية لمختلف الفاعلين، بما يضمن بقاء المجتمع المدني شريكاً في التدبير المحلي، لا بديلاً عن المؤسسات العمومية، ويعزز انسجام العلاقة بين الاختصاصات القانونية والإمكانات الفعلية لممارستها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة