المغرب
سياسة

رسالة إلى محمود عرشان: هل شاهدتم فيلم "Argentina, 1985"؟ دعوة لمواجهة الماضي بصدق وعدالة

العمق المغربي22 أكتوبر 2026 في 10:520 مشاهدة
رسالة إلى محمود عرشان: هل شاهدتم فيلم "Argentina, 1985"؟ دعوة لمواجهة الماضي بصدق وعدالة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "إلى محمود عرشان.. هل شاهدتم فيلم “Argentina, 1985″؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 22 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أتوجه إليكم اليوم، سيدي محمود عرشان، من موقعي كفاعل في مجال العدالة الانتقالية، مؤمنًا بتجربة بلدي في الإنصاف والمصالحة، ومن واقع تجربة شخصية لا تزال تحمل ندوب التعذيب والاعتقال القاسي، وبعد ربع قرن من العمل الدؤوب لبناء مصالحة تحفظ كرامة المغاربة.

لا أدري إن كنتم قد حظيتم بمشاهدة فيلم "Argentina, 1985"، الذي يوثق محاكمة قادة الحكم العسكري الأرجنتيني في عام 1985. أستحضر هذا العمل السينمائي القيم لما يثيره من تساؤلات جوهرية حول شهادات الضحايا، وتحديد المسؤوليات، وقدرة المجتمعات على مواجهة ماضي الانتهاكات.

لقد اخترت الانخراط في هذا المسار بكل إخلاص، راهنت على قدرتنا على تحويل المعاناة إلى إصلاح، وعلى أن يصبح الاعتراف بما جرى أساسًا لبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. كان أملي أن يعيش أبناؤنا في وطن يشعرون فيه بالأمان، ويتمتعون بحرية التعبير والاختلاف دون خوف.

لذلك، آلمني وصفكم لنا بـ "الطابور الخامس"، وهو وصف نقلته الصحافة عن مداخلتكم في مجلس المستشارين، في سياق الرد على الاتهامات المتعلقة بماضيكم الأمني. فمن يناقش شهادات عن الانتهاكات له الحق في الاعتراض عليها، والمطالبة بأدلتها، وتقديم روايته الخاصة. أما التشكيك في وطنية أصحاب هذه الشهادات، فيضيف إلى الخلاف حول الوقائع إهانة يصعب على من عانوا تحملها.

إنها مسألة تاريخ، سيدي محمود عرشان. فكلمة واحدة منه قد تعيد إلى الحاضر ألمًا ظن البعض أن الزمن قد خفف من وطأته. وما يبدو للبعض مجرد سجال سياسي عابر، قد يستعيد لدى آخرين تجربة اعتقال قاسية، أو خوفًا قديمًا، أو فقدًا لم يجد له تفسيرًا.

من موقعي الشخصي، أؤكد أن تجربة التعذيب والاعتقال قد أورثتني حزنًا عميقًا لم يمحُه انخراطي الصادق في مسار المصالحة. فحتى اليوم، وفي ذكرى اعتقالي، تنهمر دموعي، وقد تستمر ليوم كامل. دموع حرصت على إخفائها عن عائلتي وعن الناس، بينما أواصل عملي وأتمسك بالأمل.

أكتب إليكم هذا لأني أدرك حجم الجهد الذي يتطلبه حمل الألم طوال ربع قرن، والقدرة على العطاء والأمل رغم ذلك. لقد انخرطت في المصالحة بجراحي، وبإيمان بأن ما عشته يمكن أن يصبح دافعًا لبناء مستقبل أكثر عدلًا. وما زلت متمسكًا بهذا الاختيار، لكن صدقه لا يعني انتهاء الألم، ولا يمنح أحدًا الحق في الاستخفاف به.

هذا هو فهمي العميق للعدالة الانتقالية: اعتراف بالضحايا وكرامتهم، وكشف للحقيقة، ومساءلة عن الانتهاكات عبر إجراءات عادلة، وجبر للضرر متصل بإصلاح المؤسسات وضمانات عدم التكرار. وفي هذا الإطار تكتسب المصالحة معناها وصدقيتها، وتتطلب فضاءً عموميًا يحترم من يتحدثون عن معاناتهم، حتى لو كانت شهاداتهم محرجة أو مؤلمة.

لقد انخرطت، مع آخرين، في مسار المصالحة، وظللت أرى في طلب الحقيقة والإنصاف امتدادًا لهذا الالتزام. ولا أعتبر اختياري تفويضًا بالحديث باسم جميع الضحايا، أو تنازلًا عن حقوقهم. فالمصالحة التي أؤمن بها تتسع لشهاداتهم ومطالبهم، وتحترم حقهم في السعي للإنصاف وفق القانون وضماناته. ولا أحد يملك الحق في تحديد متى ينتهي ألمهم، أو كيف ينبغي لهم التحدث عنه.

هنا أجد معنى استحضار فيلم "Argentina, 1985"، مع إدراكي للاختلاف بين السياقين المغربي والأرجنتيني. ففي الفيلم، يتقدم الضحايا إلى منصة المحكمة لسرد ما عاشوه، وتدخل شهاداتهم في مسار قضائي يُفحص فيه القول والدليل لتحديد الوقائع والمسؤوليات. وهو بذلك يدعونا للتفكير في الانتقال من المواجهة الكلامية إلى الفحص الجدي للشهادات، مع الحفاظ على قرينة البراءة وحقوق الدفاع.

ومن هذا المنطلق، أسألكم: إذا اتخذت هذه المطالب مسارًا قضائيًا، فهل أنتم مستعدون للاستجابة له، وتقديم روايتكم ومناقشة الشهادات والأدلة أمام قضاء مستقل، مع كامل ضمانات المحاكمة العادلة؟ سؤال أحترم فيه حقكم في الدفاع عن أنفسكم، مثلما أتمسك بحق من ينسبون إليكم انتهاكات في أن تُسمع أقوالهم وتُفحص بجدية.

أما سؤالي للمجتمع والمؤسسات فهو عن الأمل الذي عملنا لأجله طوال ربع قرن: كيف نحميه؟ وكيف نصون الثقة التي حاولنا بناءها، إذا صار الحديث عن الانتهاكات مناسبة للطعن في وطنية أصحاب الشهادات؟ لقد وضعنا في هذا الأمل سنوات من أعمارنا، وعملًا وصبرًا، وجزءًا عزيزًا من قدرتنا على تجاوز ما عشنا. وحين مددنا أيدينا للمصالحة، كنا نرجو أن نجد في المستقبل ما يبرر تلك الثقة. ومن مسؤوليتنا المشتركة أن نصونها باحترام كرامة الضحايا، وإبقاء الطريق إلى الحقيقة مفتوحًا، وتحمل المسؤولية عن الكلمات التي تُقال من داخل المؤسسات.

أؤكد هنا ثقتي في تجربة الإنصاف والمصالحة في بلدي، التي أراها تعبيرًا قويًا عن تلاقي الإرادة الملكية مع تطلعات الشعب المغربي إلى العدل والكرامة، ومع إرادة الضحايا الذين انخرطوا في هذا المسار وأسهموا في بنائه، دون أن أدعي الحديث باسمهم جميعًا. ومن هذه الثقة ينبع حرصي على صون مكتسبات التجربة، واستكمال ما بقي من أوراشها، والوفاء لروحها وتوصياتها. فاحترام ذاكرة الضحايا وكرامتهم، والإنصات إلى مطالبهم، يمنحان هذا المسار قوته ويعززان الأمل الذي فتحه أمام بلادنا.

فهل شاهدتم فيلم "Argentina, 1985"، السيد محمود عرشان؟ أترك لكم السؤال، وأنبهكم إلى أنكم بتصريحاتكم هذه تهددون الدولة والمجتمع. وأتمسك بالأمل الذي قادني طوال ربع قرن: أن نستطيع النظر إلى ماضينا بشجاعة، وأن نبني وطنًا لا تتكرر فيه المأساة، ولا يُترك فيه من تألموا وحدهم أمام جراحهم.

شارك الخبر: