المغرب
سياسة

الحياء السياسي في المغرب: بين أخلاقيات السلطة وتحديات المساءلة

العمق المغربي23 أكتوبر 2026 في 11:240 مشاهدة
الحياء السياسي في المغرب: بين أخلاقيات السلطة وتحديات المساءلة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الحياء السياسي في منظومة الحكم بالمغرب" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 23 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بقلم: محمد شقير

يمكن تناول مفهوم الحياء السياسي في سياق منظومة الحكم بالمغرب كمدخل أساسي لتحليل أخلاقيات ممارسة السلطة، وتحديد حدود المسؤولية السياسية، وفهم طبيعة العلاقة بين المسؤولين والمؤسسات والمجتمع. لا يقتصر الحياء السياسي على مجرد الحشمة في الخطاب أو تفادي المواقف المحرجة، بل يشمل قدرة الفاعل السياسي على إدراك حدود سلطته، واستشعار واجب الاعتذار، والامتناع عن استغلال النفوذ، والتصرف بما يحفظ كرامة المؤسسات وثقة المواطنين.

تشهد الحياة السياسية المغربية في السنوات الأخيرة أزمة حياء سياسي، تتجلى في وجود فجوة بين الأخلاقيات السياسية المعلنة والسلوك السياسي الفعلي. تتكرر مظاهر مثل استمرار المسؤول في موقعه رغم ثبوت إخفاقات جسيمة دون تقديم تفسير مقنع، واستخدام الخطاب الانتخابي لتقديم وعود لا ترتبط بآليات واضحة للتنفيذ والتقييم، وغياب الاعتذار أو التصحيح حتى بعد ظهور أخطاء واضحة، والتعامل مع النقد باعتباره استهدافاً شخصياً بدلاً من اعتباره جزءاً من الرقابة الديمقراطية، وتغليب الولاء الحزبي أو الشخصي على المصلحة العامة.

برزت مؤخراً واقعة في مجلس المستشارين، خلال مناقشة التصريح الحكومي لأول حكومة ترأسها امرأة في تاريخ المملكة، تمثلت في حالة النائب محمود عرشان، العميد السابق في الأجهزة الأمنية. يمكن اعتبار هذه الحالة مدخلاً مناسباً لمناقشة الحياء السياسي وحدود التسامح مع الماضي السياسي في المغرب، وعلاقة الذاكرة السياسية بأخلاقيات الاستقبال الرسمي والخطاب العمومي. تطرح هذه الحالة سؤالاً يتجاوز شخص محمود عرشان نفسه: هل يكفي أن يحظى الفاعل السياسي باعتراف رسمي أو استقبال من مسؤول حكومي حتى يُطوى الجدل حول ماضيه وممارساته؟ أم أن الحياة السياسية تقتضي نوعاً من التناسب بين الاعتراف الرمزي بالفاعلين وبين ما راكموه من مواقف وسلوكيات؟

استقبل محمود عرشان في فاتح أكتوبر 2026، برفقة ابنه عبد الصمد عرشان، ضمن مشاورات تشكيل الحكومة، بصفته مؤسس حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية. أثار هذا اللقاء اعتراضات حقوقية بسبب ماضيه الأمني والاتهامات المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان خلال سنوات الرصاص. أعاد محمود عرشان هذه القضية إلى الواجهة بتصريحاته في مجلس المستشارين يوم 21 أكتوبر، عندما رفض الانتقادات الموجهة إليه ودعا إلى مناظرة تلفزيونية مع منتقديه. هذا الجدل لا يتعلق فقط باستقبال شخص بعينه، بل أيضاً بالرسالة الرمزية التي يمكن أن تلتقطها الضحايا وعائلاتهم والمجتمع من طريقة تعامل المؤسسات مع الشخصيات المرتبطة بذاكرة الانتهاكات.

تكتسي عبارة «الطابور الخامس» أهمية خاصة؛ لأنها تنقل النقاش من مضمون الانتقادات إلى التشكيك في نوايا أصحابها، وتوحي بأنهم يعملون ضد المصلحة الوطنية. من حق محمود عرشان الدفاع عن نفسه ورفض الاتهامات التي يعتبرها غير صحيحة، وطلب عرض الوقائع والأدلة ومناقشتها علناً. لكن ليس من حق أي فاعل سياسي احتكار الوطنية أو افتراض أن منتقديه يعملون ضد البلاد لمجرد أنهم يثيرون ملفاً حقوقياً حساساً. ربط عرشان انتقادات ماضيه بمحاولات تلويث الذاكرة الوطنية، واستخدم تعبير «الطابور الخامس» في حديثه عن الجهات التي يعتبرها مشوشة.

من منظور الحياء السياسي، تكمن المفارقة في أن المسؤول الذي يطالب الآخرين باحترام مساره الوطني ينبغي أن يكون مستعداً، بالقدر نفسه، لاحترام حقهم في مساءلة ذلك المسار. الدفاع عن السمعة الشخصية لا يقتضي تخوين المنتقدين، كما أن المطالبة بالحقيقة لا تبرر إدانة الشخص مسبقاً. من هنا، تنبع ضرورة تقعيد مفهوم الحياء السياسي إلى جانب سلوكيات سياسية تتعلق بالنزاهة، والثقة، وغيرها من الأخلاقيات السياسية، خاصة وأن الحياء قيمة مترسخة في حياة المغاربة كقيمة دينية وأخلاقية.

أهمية الحياء في المنظومة القيمية للمجتمع المغربي:

يعتبر الحياء في المجتمع المغربي قيمة أخلاقية واجتماعية مترسخة تتصل بالاحترام والتواضع وصيانة الكرامة ومراعاة مشاعر الآخرين. تمتد أهميته إلى الفضاء العام، وكيفية ممارسة السلطة والتعامل مع الاختلاف والنقد. فالحياء في الثقافة المغربية ليس مجرد سلوك فردي، بل آلية اجتماعية لضبط العلاقات وحماية الاعتبار الشخصي والجماعي. وقد تداخلت في تشكيل قيمة الحياء بالمغرب روافد متعددة، أبرزها المرجعية الإسلامية، والتقاليد الأسرية، والأعراف المحلية، وثقافة الجماعة والتضامن الاجتماعي. ويمكن تحديد أربعة روافد رئيسية:

  • الرافد الديني: يرتبط الحياء بالأدب والتواضع وضبط السلوك ومراعاة حقوق الآخرين.
  • الرافد الأسري: من خلال التربية على احترام الوالدين والكبار، وتجنب الإساءة إلى أفراد الأسرة أو إحراجهم.
  • الرافد الجماعي: يكتسب الفرد مكانته من خلال سلوكه داخل الجماعة، ويصبح احترام الآخرين عاملاً في حفظ السمعة والاعتبار.
  • الرافد الثقافي المحلي: تتجلى قيمة الحياء في أشكال مختلفة بين البيئات الحضرية والقروية والمناطق الثقافية المغربية المتنوعة.

أكدت دراسات سوسيولوجية حول القيم المغربية على أهمية الروابط الأسرية والتضامن والتواضع والحياء وغيرها من القيم في بناء العلاقات الاجتماعية. يندرج المثلان المغربيان الدارجان “إذا لم تستح فافعل ما شئت” و”ظاهر الحيا على وجه الطراح” ضمن المنظومة الثقافية والقيمية المغربية المرتبطة بالحياء. المثل الأول يجعل الحياء معياراً أخلاقياً يضبط السلوك، والثاني ينتقد الحياء الشكلي الذي لا يعكس بالضرورة حقيقة الشخص أو سلوكه.

المثل المغربي “إذا لم تستحِ فافعل ما شئت» وارد في حديث نبوي، ويتجاوز معناه مجرد الدعوة إلى الحشمة، ليعبر عن تحذير من فقدان الرقابة الأخلاقية على الذات. أما المثل المغربي “ظاهر الحيا على وجه الطراح” فيُستعمل في نقد التناقض بين المظهر والسلوك؛ حين يبدو الحياء على وجه الشخص، بينما لا ينسجم سلوكه مع مقتضيات الحياء. يكشف هذان المثلان عن قدرة الثقافة الشعبية المغربية على إنتاج أدوات نقدية داخلية. يمكن نقل الدلالتين إلى المجال السياسي: المثل الأول يُستحضر عندما يواصل مسؤول ممارسة سلوك مثير للاعتراض دون اعتذار أو مراجعة. أما المثل الثاني، فيُستعمل نقدياً عندما تتعارض صورة الوقار والالتزام التي يقدمها الفاعل السياسي مع ممارساته الفعلية.

مفهوم الحياء السياسي في منظومة الحكم بالمغرب:

ينبغي التمييز بين الحياء بوصفه قيمة أخلاقية، والحياء السياسي بوصفه سلوكاً في تدبير الشأن العام، والمساءلة السياسية بوصفها آلية مؤسساتية. يمكن تعريف الحياء السياسي بأنه استعداد المسؤول أو الحزب أو المؤسسة للاعتراف بحدود المشروعية الأخلاقية والسياسية لأفعاله، وتجنب السلوك الذي يتعارض مع المصلحة العامة، والاستجابة للنقد بما ينسجم مع مقتضيات المسؤولية والكرامة المؤسسية. ويتجلى هذا المفهوم في خمسة أبعاد أساسية:

  • الحياء من السلطة: عدم تحول المسؤولية إلى وسيلة للاستعلاء على المواطنين أو احتكار القرار.
  • الحياء من المال العام: تجنب تضارب المصالح والامتيازات غير المستحقة واستغلال الموقع العمومي.
  • الحياء من الناخبين: استشعار أن التفويض الانتخابي أمانة مؤقتة، وليس شيكاً على بياض.
  • الحياء من المؤسسات: احترام الاختصاصات والقواعد الدستورية وعدم توظيف المؤسسات في تصفية الحسابات الحزبية.
  • الحياء من الخطأ: امتلاك الشجاعة للاعتراف بالتقصير والاعتذار، والاستعداد لتحمل العواقب السياسية.

الحياء السياسي ليس ضعفاً في الشخصية السياسية، ولا تراجعاً عن ممارسة السلطة، بل هو شكل من أشكال ضبط الذات السياسية قبل تدخل الرقابة القانونية أو المؤسسية.

الحياء السياسي كمكون من مكونات منظومة الحكم بالمغرب:

لا ينص الدستور المغربي على الحياء السياسي كمبدأ مستقل، لكنه يؤسس لمجموعة من المبادئ التي يمكن اعتبارها ترجمة مؤسساتية لبعض مضامينه، وفي مقدمتها ربط المسؤولية بالمحاسبة، والحكامة الجيدة، والشفافية، والنزاهة، وخدمة المصلحة العامة. يمكن دراسة الحياء السياسي في المغرب عبر ثلاثة مستويات:

  1. المستوى الملكي والمؤسساتي: يتعلق باحترام قواعد اشتغال المؤسسات، وتحديد المسؤوليات والاختصاصات، وتكريس استمرارية الدولة مع الحفاظ على مشروعية المؤسسات. يطرح هنا سؤال مدى اقتران السلطة بالمسؤولية، وكيفية ترجمة التوجيهات المتعلقة بالحكامة الجيدة إلى ممارسات قابلة للتقييم.
  2. المستوى الحكومي والحزبي: يتجلى في سلوك الوزراء ورؤساء الحكومات والمنتخبين وقيادات الأحزاب، خصوصاً عند وقوع الأخطاء، أو ظهور تضارب المصالح، أو إخفاق البرامج والوعود الانتخابية. يختبر الحياء السياسي هنا بمدى استعداد المسؤول للاعتراف بالتقصير وتحمل نتائجه.
  3. المستوى المجتمعي والتواصلي: يتعلق بعلاقة النخب السياسية بالمواطنين، واحترام ذكائهم وانتظاراتهم، وتجنب الخطاب الذي يستخف بمعاناتهم أو يبرر الإخفاقات باستمرار. كلما اتسعت الفجوة بين الخطاب السياسي والتجربة اليومية للمواطن، تراجعت قدرة الخطاب على إنتاج الثقة السياسية.

تظهر أهمية هذا المفهوم عندما ننتقل من المبادئ العامة إلى الوقائع السياسية. بعد الإخفاق في تنفيذ الوعود الانتخابية، ينبغي على الفاعل السياسي تقديم تفسير واضح، والإقرار بالمسؤولية عن القرارات المتخذة. في حالة وقوع خطأ من وزير أو مسؤول منتخب، ينبغي الاعتذار عند الاقتضاء، مع ترتيب المسؤولية المناسبة. في حالة وجود شبهة تضارب مصالح، ينبغي الكشف عن المصالح المعنية، والامتناع عن استغلال المنصب، والخضوع للتحقيق. لا يعني ذلك أن كل إخفاق يستوجب الاستقالة، أو أن كل خطأ يستدعي اعتذاراً علنياً. ينبغي التمييز بين الخطأ التقديري، والتقصير الإداري، والإخلال الأخلاقي، والمخالفة القانونية؛ إذ تختلف المسؤولية المناسبة باختلاف طبيعة الواقعة وخطورتها.

تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء ملاحظات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن المغرب في تقريرها لعام 2026، الذي يميز بين وجود قواعد قانونية للنزاهة وتضارب المصالح وبين مستوى تطبيقها عملياً، ويشير إلى استمرار تحديات تتعلق بوضوح بعض القواعد وبنشر المعلومات حول المتابعة والجزاءات. وجود قواعد للمحاسبة لا يضمن وحده نشوء ثقافة سياسية للمحاسبة، كما أن الاعتذار لا يعوض المساءلة المؤسسية.

نحو مفهوم مغربي للحياء السياسي:

يمكن تطوير هذا المفهوم في إطار دراسة علمية للحياة السياسية المغربية من خلال ربطه بأربعة مفاهيم متكاملة: الأخلاق السياسية، المسؤولية السياسية، المساءلة الديمقراطية، والثقة السياسية. يصبح الحياء السياسي، وفق هذا التصور، حلقة وصل بين أخلاق الفرد وأخلاق المؤسسة. فهو يبدأ من الضمير الشخصي، لكنه لا يكتمل إلا حين يتحول إلى قواعد وممارسات تجعل الاعتراف بالخطأ والتصحيح والمحاسبة أموراً عادية في الحياة السياسية. أزمة الحياء السياسي، متى ثبتت مظاهرها في الممارسة السياسية بالمغرب، لا تتمثل فقط في غياب الشعور الأخلاقي لدى بعض المسؤولين، بل في احتمال وجود اختلال في العلاقة بين السلطة والمسؤولية، وبين الخطاب والممارسة، وبين الاعتذار والمحاسبة. لا يكفي تخليق الحياة السياسية عبر الدعوة إلى النزاهة أو التواضع؛ بل يتطلب الأمر بناء ثقافة سياسية تجعل المسؤولية تكليفاً لا امتيازاً، والاعتذار سلوكاً مشروعاً لا علامة ضعف، والمحاسبة قاعدة مؤسساتية لا استثناءً ظرفياً.

يمكن أن يصبح الاعتذار السياسي أداة لتجديد الثقة السياسية بشرط ألا يتحول إلى إجراء تواصلي هدفه احتواء الجدل فقط. الاعتذار السياسي الفعّال يتضمن أربعة عناصر: الاعتراف بالخطأ، وتحمل المسؤولية، وتوضيح التدابير التصحيحية، وقبول التقييم اللاحق. الحياء السياسي لا يتعارض مع الحفاظ على هيبة الدولة؛ بل إن الاعتراف بالخطأ في إطار مؤسساتي منظم قد يعزز الهيبة، لأنه يُظهر أن المؤسسات قادرة على تصحيح مسارها. لا ينبغي الخلط بين الحياء السياسي والخضوع للضغط الشعبي؛ فقد يكون القرار السياسي غير شعبي لكنه مبرر بالمصلحة العامة، كما قد يكون الاعتذار شعبوياً ولا يعكس أي تحمل حقيقي للمسؤولية. تتجسد إشكالية الحياة السياسية بالمغرب في ضعف أخلاقيات بعض الفاعلين السياسيين، أم في محدودية تحول هذه الأخلاقيات إلى قواعد ملزمة وثقافة مؤسساتية؟

شارك الخبر: