المغرب
اقتصاد

العمل الجمعوي التضامني في المغرب: بين حوافز الشركات وتعقيدات الرقابة المالية

العمق المغربي23 أكتوبر 2026 في 17:100 مشاهدة
العمل الجمعوي التضامني في المغرب: بين حوافز الشركات وتعقيدات الرقابة المالية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "العمل الجمعوي التضامني بين دعم المستشهرين وإكراهات الرقابة المالية" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 23 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في زقاق ضيق بإحدى القرى القريبة من مكناس، تجلس يامنة، رئيسة جمعية محلية تعنى بمواكبة الأطفال في وضعية صعبة، أمام كومة من الفواتير والالتزامات التي لم تعد منحة الجماعة الترابية تغطيها. قبل أشهر، تلقت خديجة اتصالاً واعداً من مدير التواصل في شركة صناعية كبرى، أبدى رغبة مؤسسته في تمويل مشروع قاعة المعلوميات بالجمعية ضمن سياسة المسؤولية الاجتماعية للشركة. لكن الحماس سرعان ما اصطدم بجدار من الطلبات البيروقراطية؛ فالشركة تطالب بوصل الإيداع النهائي الذي تأخرت السلطات المحلية في تجديده، وتصر على صفة المنفعة العامة التي لا تملكها إلا قلة من الجمعيات. بينما يرتجف قلم المحاسب القانوني للشركة خوفاً من تأويلات إدارة الضرائب حول التبرعات التي قد لا تُقبل كأعباء قابلة للخصم.

هذه القصة ليست حالة معزولة، بل هي المشهد المتكرر الذي يلخص المسافة الفاصلة بين النوايا التضامنية والواقع القانوني المعقد في المغرب. إن علاقة المقاولة بالعمل الجمعوي في المغرب ليست مجرد فعل إحسان، بل هي هندسة قانونية يؤطرها بالأساس الظهير الشريف رقم 1.58.376 بتنظيم حق تأسيس الجمعيات والمدونة العامة للضرائب.

من الناحية النظرية، يمنح المشرع المغربي للشركات تحفيزات جبائية مهمة لتشجيعها على دعم النسيج الجمعوي؛ حيث تنص المادة 10 من المدونة العامة للضرائب على أن الهبات النقدية أو العينية الممنوحة للجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة أو الجمعيات التي أبرمت اتفاقية مع الدولة للقيام بعمل ذي طابع اجتماعي، تعتبر تكاليف قابلة للخصم من النتيجة الجبائية في حدود 2 بالألف من رقم معاملات الشركة. هذا الإطار كان يهدف إلى خلق جسر بين عالم المال وعالم التطوع، محولاً المقاولة من كيان باحث عن الربح فقط إلى فاعل مدني يساهم في التنمية.

ومع ذلك، يبرز التناقض الصارخ عند النفاذ إلى جوهر هذه النصوص؛ فالمشرع حصر الامتيازات الضريبية الكبرى في جمعيات المنفعة العامة، وهو اعتراف حكومي يظل بعيد المنال لآلاف الجمعيات القاعدية التي تقوم بالعمل الميداني الحقيقي. هذا التصنيف يخلق تراتبية طبقية في العمل الجمعوي، حيث تستحوذ الجمعيات الكبرى والمقربة من دوائر القرار على حصة الأسد من دعم القطاع الخاص، بينما تُترك الجمعيات الصغرى تصارع لإقناع المقاولات بدعمها من الأرباح الصافية بعد الضريبة، وهو ما ترفضه أغلب الشركات لكونه لا يخدم مردوديتها الجبائية. هنا يتحول القانون من وسيلة للتمكين إلى أداة للانتقاء، مما يفرغ مفهوم المسؤولية الاجتماعية للمقاولات من عمقه التضامني ويحوله إلى مجرد أداة تواصلية لتحسين الصورة.

الإشكال يتجاوز الجانب الجبائي ليمس جوهر الحكامة؛ ففي غياب قانون إطار واضح ينظم الرعاية والاستشهار بشكل مستقل ودقيق، تسقط العديد من الشراكات في فخ التباس المفاهيم. فالشركة حين تدعم جمعية، غالباً ما تطلب ظهور شعارها في الأنشطة، وهو ما قد يكيفه مراقبو الضرائب كخدمة إشهارية تخضع للضريبة على القيمة المضافة وليس هبة معفاة. هذا الخلط التفسيري يجعل المديرين الماليين في الشركات المغربية ينهجون سياسة الحذر المفرط ويفضلون الامتناع عن الدعم بدلاً من الدخول في دوامة المراجعات الضريبية التي قد تكلفهم أضعاف مبلغ الهبة الأصلي.

علاوة على ذلك، يواجه تفعيل هذا الدعم عائق سوسيولوجي وقانوني يتمثل في أزمة الثقة. فالقانون المغربي، رغم صرامته في مقتضيات المراقبة المالية للجمعيات التي تتلقى دعماً عمومياً، يظل ضبابياً فيما يخص الرقابة على التمويلات الخاصة من الشركات. هذا الفراغ يدفع بعض الشركات إلى التردد خوفاً من ربط اسمها بجمعيات قد تحيد عن أهدافها أو تقع في فخ التوظيف السياسي أو الأيديولوجي، خاصة في ظل غياب منصات وطنية شفافة تبرز الملاءمة المالية والتدبيرية للجمعيات المرشحة للدعم.

إن واقع الحال يشير إلى أننا أمام نص قانوني نخبوي يخاطب المقاولات الكبرى والجمعيات الضخمة، ويغفل النسيج الحيوي المكون من المقاولات المتوسطة والجمعيات المحلية التي تشكل عصب المجتمع. إن تجاوز هذه الإشكالية لا يتطلب فقط مراجعة نسب الخصم الضريبي، بل يقتضي بالأساس تبسيط مساطر الاعتراف بالمنفعة العامة وتوضيح الحدود الفاصلة بين العمل التنموي والخدمة التجارية، مع خلق ميثاق وطني للرعاية يضمن للمقاولة أمنها القانوني وللجمعية استقلاليتها المالية. فبدون توازن حقيقي بين التحفيز والمراقبة، سيبقى دعم المقاولات للجمعيات في المغرب مجرد استثناء معزول بدلاً من أن يكون رافعة مستدامة لتنمية لا تستثني أحداً.

شارك الخبر: