المغرب
اقتصاد

مشروع قانون المالية 2027: الحكومة أمام تحدي ترجمة الالتزامات إلى واقع ملموس للمغاربة

العمق المغربي25 أكتوبر 2026 في 23:020 مشاهدة
مشروع قانون المالية 2027: الحكومة أمام تحدي ترجمة الالتزامات إلى واقع ملموس للمغاربة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مشروع قانون المالية 2027.. الحكومة أمام اختبار تحويل الملايير إلى أثر ملموس في حياة المغاربة" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 25 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يواجه مشروع قانون المالية لسنة 2027 الحكومة بتحدٍ كبير يتمثل في قدرتها على تحويل التزاماتها السياسية والاجتماعية إلى خيارات مالية قابلة للتنفيذ. يأتي هذا في وقت تتزايد فيه آمال المواطنين بشأن تحسين فرص العمل، والقدرة الشرائية، وجودة الخدمات العامة، بينما تواجه الدولة تحديات الحفاظ على توازناتها المالية. يبرز السؤال حول مدى فعالية الإنفاق العمومي وقدرته على إحداث تأثير حقيقي في حياة المغاربة، وذلك في ظل الفجوة بين الأهداف المعلنة في البرنامج الحكومي والاعتمادات المالية المخصصة لتنفيذها.

في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي عبد الرزاق الهيري أن تقييم وفاء الحكومة بالتزاماتها من خلال مشروع قانون المالية 2027 يجب أن يتجاوز مجرد حجم الاعتمادات أو الأولويات المعلنة. بل ينبغي أن يرتكز على مدى تحويل هذه الموارد إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة، تشمل تحسين فرص الشغل، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، وتعزيز الحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية للمواطنين.

وأوضح الهيري أن مشروع قانون المالية هو أداة أساسية لتنفيذ الاختيارات الحكومية. وللحكم على مدى توافقه مع البرنامج الحكومي، يجب دراسة طبيعة النفقات وتوزيعها القطاعي والمجالي، ومقارنتها بالحاجيات الفعلية، وقياس أثرها على حياة المواطنين. وأشار إلى أن المشروع يأتي في سياق سياسي ومؤسساتي خاص، بعد تشكيل حكومة جديدة، مما يستدعي التمييز بين التزامات البرنامج الحكومي والتوجهات الميزانياتية التي أُعدت قبل اكتمال الانتقال الحكومي.

تتضمن التوجهات العامة للمشروع مواصلة تمويل الأوراش الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار، ودعم التشغيل، وتعزيز الخدمات العمومية، والحفاظ على استدامة المالية العمومية. لكن الهيري شدد على أن إدراج هذه المجالات ضمن الأولويات لا يضمن بالضرورة توافر الشروط المالية والتدبيرية لتحقيق تحول ملموس.

من الناحية المالية، تشير المعطيات الأولية إلى توقع تعبئة حوالي 482.4 مليار درهم من الموارد العادية للميزانية العامة، مع تخصيص 138 مليار درهم لاعتمادات الأداء المتعلقة بالاستثمار في الميزانية العامة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حجم الموارد، إلا أنها لا تكفي للحكم على مدى تحقيق الأهداف الحكومية دون تقييم تطور الاعتمادات وتوزيعها ونتائج تنفيذها.

التشغيل والصحة والتعليم: من الإنفاق إلى الأثر الاجتماعي

أكد الهيري أن ارتفاع الإنفاق العمومي لا يترجم تلقائياً إلى تحسن المؤشرات الاجتماعية، بل يعتمد على جودة التدبير، وفعالية المؤسسات، وحسن استهداف البرامج، والقدرة على تنفيذ المشاريع. وتقييم السياسات العمومية يجب أن يميز بين الموارد المالية، والإنجازات الفعلية، والأثر النهائي على المواطنين. يظل التشغيل تحدياً رئيسياً لارتباطه بالدخل والاستقرار الاجتماعي. ورغم إحداث أكثر من 34 ألف منصب مالي في القطاع العام، نبه الهيري إلى أن خلق فرص العمل لا يقتصر على المناصب العمومية، بل يعتمد على قدرة الاقتصاد الوطني، وخاصة القطاع الخاص، على إحداث مناصب شغل منتجة ومستدامة. ويجب قياس الأثر من خلال مؤشرات مثل تطور معدل البطالة، وعدد مناصب الشغل الصافية المحدثة، ونسب الإدماج المهني، واستقرار الوظائف وجودة الأجور.

في القطاع الصحي، تهدف التوجهات إلى تأهيل مؤسسات الرعاية الأولية، وتوسيع الخدمات، ورقمنة المنظومة، مع استهداف رفع كثافة مهنيي الصحة. ويجب أن يشمل تقييم الإنفاق الصحي تقليص آجال الانتظار، وتحسين التغطية الترابية، وتوفير الأطر الصحية، وخفض النفقات التي تتحملها الأسر.

في مجال التعليم، يجب أن يقترن تخصيص موارد إضافية بإصلاحات تحسن جودة التعلمات، وتحارب الهدر المدرسي، وتقلص الفوارق. ويتطلب تقييم النتائج تجاوز المؤشرات الكمية إلى قياس تطور المكتسبات الأساسية للتلاميذ وتحسن نسب النجاح.

أما في مجال الحماية الاجتماعية، فيجب أن يقيس التقييم الأثر الفعلي على مستوى عيش الأسر، ومدى مساهمتها في الحد من الفقر والهشاشة، وتحسين القدرة الشرائية، وتقليص التفاوتات الاجتماعية، مع التحقق من دقة استهداف الأسر المستحقة وكفاية المساعدات.

التوازنات المالية وضغوط الإنفاق العمومي

يطرح مشروع قانون المالية 2027 إشكالية مركزية تتمثل في كيفية الاستجابة للحاجيات الاجتماعية والاستثمارية المتزايدة في ظل محدودية الموارد العمومية وارتفاع كلفة تمويل السياسات. تتوقع المعطيات الأولية بلوغ النفقات الإجمالية للدولة حوالي 825.59 مليار درهم، مقابل 761.30 مليار درهم سنة 2026، بارتفاع يناهز 8.44 في المائة. وتستهدف موارد ضريبية في حدود 437.4 مليار درهم، مع عجز ميزانياتي يقارب 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.

يرى الهيري أن هذه الأرقام تعكس حجم المجهود المالي، لكنها تثير أسئلة حول فعالية الإنفاق العمومي واستدامة تمويل الإصلاحات. التوازنات المالية ليست هدفاً محاسبياً معزولاً، بل شرطاً لاستدامة تمويل السياسات. ومع ذلك، لا ينبغي أن تكون عائقاً أمام الاستثمار في الرأسمال البشري أو تأجيل الإصلاحات الاجتماعية الضرورية، فالإنفاق على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية يمكن أن يشكل استثماراً اقتصادياً طويل الأمد.

يتأثر هامش المناورة الميزانياتية بارتفاع النفقات الهيكلية، مثل نفقات الموظفين وخدمة الدين والتحويلات الاجتماعية، مما يقلص قدرة الدولة على إعادة توجيه مواردها. وتضاف إلى ذلك الحاجيات المتزايدة لتمويل الحماية الاجتماعية وإصلاح المؤسسات الصحية والتعليمية، والاستثمارات لمواجهة الإجهاد المائي وتقليص التفاوتات الترابية. يتطلب هذا تحديد الأولويات بناءً على تحليل دقيق للمردودية الاقتصادية والاجتماعية.

تعبئة الموارد وتحسين نجاعة الاستثمار

لتعزيز قدرة الدولة على تمويل الإصلاحات، دعا الهيري إلى تحسين تعبئة الموارد الضريبية عبر توسيع الوعاء الضريبي ومحاربة الغش والتهرب الضريبيين، مع مراعاة العدالة الجبائية. كما شدد على ضرورة ترشيد الإنفاق العمومي وإعادة توجيهه نحو البرامج ذات المردودية العالية، وتعزيز مساهمة الاستثمار الخاص في خلق الثروة وفرص الشغل.

يعد تحسين حكامة المؤسسات والمقاولات العمومية مدخلاً لتخفيف الضغوط عن الميزانية وتعزيز كفاءة تخصيص الموارد. وتظل استدامة تمويل البرامج الاجتماعية مرتبطة بقدرة الاقتصاد الوطني على توليد الثروة وخلق القيمة المضافة.

نجاح السياسة الميزانياتية لا يرتبط بحجم اعتمادات الاستثمار فقط، بل بقدرة الإدارات والمؤسسات العمومية على تنفيذ المشاريع في الآجال المحددة ووفق التكاليف المبرمجة. ولذلك، تكتسي معدلات تنفيذ الميزانية أهمية خاصة. ضعف نجاعة بعض المشاريع أو تأخر تنفيذها قد يؤدي إلى ارتفاع الكلفة دون تحقيق العوائد المنتظرة، مما يجعل تحسين جودة إعداد المشاريع، وتبسيط المساطر، وتعزيز قدرات التدبير، وتطوير آليات التتبع والتقييم، شروطاً أساسية لرفع فعالية الاستثمار العمومي.

مؤشرات الأداء والمساءلة في تنفيذ البرنامج الحكومي

يكمن الإشكال الأساسي في الانتقال من التدبير القائم على الوسائل إلى تدبير يرتكز على النتائج ونجاعة الأداء. القانون التنظيمي لقانون المالية أرسى مبادئ التدبير الميزانياتي حسب البرامج والأهداف ومؤشرات الأداء. تربط المادة 39 البرامج الميزانياتية بأهداف محددة ومؤشرات مرقمة لقياس النتائج، مع تعيين مسؤول عن كل برنامج.

تتضمن المنظومة أدوات أخرى للتتبع والتقييم، مثل مشاريع نجاعة الأداء، والتقارير السنوية حول نجاعة الأداء، وقانون التصفية، وتقارير المجلس الأعلى للحسابات. تتيح هذه الآليات الانتقال من الرقابة على مشروعية الإنفاق إلى تقييم مردوديته الاقتصادية والاجتماعية.

تتضمن الوثائق الرسمية المرافقة لمشروع قانون المالية 2027 تقارير حول الميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع الاجتماعي، والموارد البشرية، والدين العمومي، والمؤسسات العمومية، والتوزيع الجهوي للاستثمار. لكن الهيري نبه إلى أن وجود مؤشرات لا يكفي، وأن التحدي يكمن في ضعف العلاقة المباشرة بين الاعتمادات المخصصة للبرامج والمؤشرات المعتمدة لقياس أدائها.

الأهداف العامة، مثل تحسين جودة التعليم أو رفع مستوى الخدمات الصحية، لا تسمح بتقييم موضوعي ما لم تقترن بمؤشرات دقيقة وقابلة للقياس. فبالنسبة للقطاع الصحي، يجب أن يشمل التقييم جودة الخدمات وتقليص آجال الانتظار. وبالنسبة لبرامج التشغيل، يجب تجاوز عدد المستفيدين من التكوين إلى قياس نسب الإدماج المهني الفعلي واستدامة فرص الشغل.

خلص الخبير الاقتصادي عبد الرزاق الهيري إلى أن الحكم على مدى انسجام مشروع قانون المالية 2027 مع البرنامج الحكومي ونجاح الاختيارات الميزانياتية يظل رهيناً بقدرة الحكومة على تحويل الاعتمادات إلى نتائج قابلة للقياس، وتعزيز آليات التتبع والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يجعل أثر الإنفاق العمومي على حياة المواطنين معياراً أساسياً لتقييم السياسات العمومية.

شارك الخبر: