المغرب
اقتصاد

99 درهماً: كيف تتلاعب الأسعار بسيكولوجية المستهلك؟

العمق المغربي25 أكتوبر 2026 في 23:440 مشاهدة
99 درهماً: كيف تتلاعب الأسعار بسيكولوجية المستهلك؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "99 درهما: عندما يقرر العقل بدل المنطق (سيكولوجيا السعر)" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 25 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لا يُعد التسويق وليد العصر الحديث فقط، بل هو ممارسة قديمة ارتبطت بظهور التجارة وعمليات البيع والشراء. يسعى الإنسان دائماً إلى تطوير أساليب البيع والشراء وفق ظروف الزمان والمكان، مستثمراً مختلف الوسائل التي تمكنه من تحقيق النجاح والتفوق في السوق. لا يقتصر فهم التسويق على آليات البيع، بل يشمل أيضاً دراسة السوق وسلوك المستهلكين والمنافسين، باعتبارهم عناصر مؤثرة في العملية التسويقية. من خلال دراسة حاجات كل فئة وخصائصها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، يصبح بالإمكان بناء استراتيجيات تسويقية أكثر فعالية بعيداً عن فكرة اعتماد استراتيجية واحدة لجميع المستهلكين.

في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، لم يَعد نجاح التسويق رهيناً بجودة المنتج وحدها، بل أصبح مرتبطاً بمدى قدرة المُسوّق على فهم السلوك النفسي للمستهلك والتأثير في قراراته الشرائية. ويُعد أسلوب التسعير النفسي من أبرز الأمثلة على ذلك. إذ يبدو الفرق بين 99 و100 درهم بسيطاً من الناحية الحسابية، لكنه قد يؤثر في إدراك المستهلك واستعداده للشراء. وتبرز أهمية هذه الظاهرة عند ملاحظة بعض الممارسات التسويقية في السوق المغربية، حيث تتكرر الأسعار المنتهية برقم 9، إلى جانب عروض التخفيضات والتوصيل المجاني، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى تأثير هذه الأساليب في القرارات الشرائية للمستهلك. يطرح هذا الموضوع سؤالاً أساسياً وهو: لماذا يتأثر المستهلك بفارق درهم واحد؟ وهل يعكس ذلك قراراً عقلانياً أم تأثيراً نفسياً؟

المحور الأول: التسعير النفسي (Psychological Pricing)

يُعرَّف التسعير النفسي بأنه استراتيجية تسويقية تعتمد على التأثير في إدراك المستهلك أكثر من اعتمادها على الحسابات الاقتصادية، وتهدف إلى التأثير في السلوك الشرائي للمستهلك، بما يسهم في رفع حجم المبيعات وتحقيق الأرباح على المديين القريب والبعيد. فعلى المدى القصير، تُمكِّن هذه التقنية الشركات من بيع أكبر كمية ممكنة من المنتجات، بينما قد تساعد على المدى الطويل في تكوين قاعدة من الزبائن الذين يرتقبون العروض والأسعار المنخفضة ويُقبلون على الشِّراء قبل نفاد الكمية. ولهذا السبب تلجأ بعض المؤسسات التجارية إلى استخدام التسعير النفسي ضمن استراتيجياتها التسويقية.

ومن الأمثلة على ذلك اعتماد بعض منصات التجارة الإلكترونية على الجمع بين التسعير النفسي وما يعرف باستراتيجية “التلعيب”، من خلال “عجلة الحظ” والقسائم والمكافآت، بما يخلق لدى المستهلك شعوراً بأن زيادة المشاركة قد ترفع فُرص الحصول على تخفيضات أكبر، وهو ما قد يدفعه إلى الاستمرار في التفاعل والشراء. ويقوم التسعير النفسي على مبدأ أساسي يتمثل في أن الإنسان يقارن الأسعار ولا يقيمها بصورة مستقلة، إذ يعتمد على نقطة مرجعية ذهنية تساعده على اتخاذ القرار. لذلك قد يركز المستهلك على الرقم الأول من السعر أكثر من قيمته الإجمالية، فالسعر البالغ 99 درهماً قد يُدرك ذهنياً على أنه ينتمي إلى فئة التسعينات وليس إلى المئة، رغم أن الفارق الحقيقي لا يتجاوز وَحَدة واحدة. وقد تناولت بعض الدراسات أثر الرقم الأيسر وكيفية إدراك الأسعار المنتهية بالرقم 9 مقارنة بالأسعار الأعلى منها بفارق ضئيل [1].

وتتجلى فعالية التسعير النفسي في تأثيره على قرارات المستهلك من خلال اعتماد بعض الشركات سياسة ” التوصيل المجاني” أو عرض “الأسعار المنتهية بأرقام جذابة” مثل 49 أو 59 أو 99. فعند تحليل القيمة الإجمالية للمنتج، يتبين في بعض الحالات أن تكلفة التوصيل قد أُدمجت مسبقاً في السعر الأصلي للسلعة، أو وُزعت بطريقة تجعل المستهلك يعتقد أنه حصل على ميزة إضافية دون مقابل. وبهذه الآلية يؤدي الزبون الثمن الإجمالي للمنتج والخدمة، غير أن طريقة العرض قد تجعله يدرك أنه استفاد من تخفيض أو خدمة مجانية، وهو ما يعكس قدرة التسعير النفسي على توجيه الإدراك قبل التأثير في القرار الشرائي. فالمستهلك هنا لا يتأثر بالسعر وحده بقدر ما يتأثر بالانطباع الذي يخلقه ذلك السعر في ذهنه، وهو ما يجعل الإدراك النفسي أحياناً عاملاً مؤثراً في تقييم القيمة الاقتصادية الفعلية للمنتج.

يتضح مما سبق أن التسعير النفسي لم يعد مجرد وسيلة لتحديد أسعار المنتجات، بل أصبح استراتيجية تقوم على فهم الإدراك البشري وآليات اتخاذ القرار. فالمستهلك لا يشتري دائماً وفق حسابات عقلانية، وإنما قد يتأثر بالانطباعات الذهنية والنقاط المرجعية التي يعتمدها المُسوق، مما يجعل طريقة عرض السعر عنصراً مهماً في العملية التسويقية.

المحور الثاني: التسعير النفسي من منظور الاقتصاد السلوكي

يرى Dan Ariely و Richard Thaler أن القرارات الاقتصادية لا تعتمد دائماً على العقلانية، بل تتأثر بعوامل نفسية وانطباعات أولية قد توجه السلوك الاستهلاكي للفرد دون وعي منه. ويُعد Richard Thaler من أبرز من وسعوا تطبيقات الاقتصاد السلوكي وربطوها بمجالات متعددة من بينها التسعير، بينما ركز Dan Ariely على دراسة اللاعقلانية التي قد تطبع قرارات المستهلك وكيفية استثمار فهمها في بناء اِستراتيجيات تسويقية أكثر تأثيراً. فالاقتصاد السلوكي يدرس كيف يتخذ الناس قراراتهم في الواقع، بخلاف ما تفترضه بعض نماذج الاقتصاد التقليدي، ويُعد التسعير النفسي أحد التطبيقات العملية التي تتجلى فيها أهمية هذا المجال [2].

ويرى Richard Thaler أن المستهلك قد يتصرف في كثير من الأحيان وفق الانطباع الأول أكثر من اِعتماده على الحسابات العقلانية. لذلك فإن عبارة بسيطة مكتوب عليها 70% قد تكون كافية لدفع شخص إلى دخول متجر واِتخاذ قرار الشراء، قبل أن يمنح نفسه فرصة للتفكير فيما إذا كان يحتاج فعلاً إلى ذلك المنتج أم لا. وبعد هذه الاستجابة الأولى يبدأ العقل في البحث عن مبررات للشراء أكثر من بحثه عن أسباب الامتناع عنه، وهو ما يجعل الانطباع الأول مؤثراً في القرار في كثير من الحالات.

ووفقاً للاقتصاد السلوكي، قد يخطئ الناس في قراراتهم لأسباب متعددة، من أبرزها الخوف من الخسارة، إذ يميل الإنسان إلى تجنب الخسارة أكثر من السعي إلى الربح، فَيفضل الحفاظ على ما يملكه بدلاً من المخاطرة به. وقد يتأثر كذلك بطريقة عرض المعلومة. فلو عُرض مثلاً مُنتج لنمو الشعر وقيل إن 90% من مستعمليه حصلوا على نتائج إيجابية، فقد يكون الإقبال عليه أكبر مما لو قيل إن 10% من مستعمليه لم يحصلوا على أي نتيجة، رغم أن العبارتين تحملان المعنى الحسابي نفسه. وترتبط فكرة النفور من الخسارة بالأبحاث التي تناولت كيفية تقييم الإنسان للمكاسب والخسائر واتخاذ القرارات في ظل الاحتمالات [3].

وتستفيد المؤسسات التجارية من هذه المبادئ لبناء قاعدة من الزبائن. فعندما يدخل المستهلك إلى متجر كبير، قد يعتقد أن ترتيب السلع أمر عادي، بينما يكون ترتيب المنتجات وطريقة عرضها جزءاً من تنظيم تجربة التسوق. ومع انتقاله بين الرفوف ومقارنة الأسعار، قد يجد نفسه يُقبل على منتجات متوسطة أو أعلى ثمناً بقليل، خاصة إذا كانت مُرفقة ببطاقة اشتراك أو عروض إضافية توهمه بأنه كلما زادت مشترياته زادت قيمة ما سيربحه. وهنا لا يشتري المستهلك المنتج فقط، بل يشتري أيضاً الشعور بأنه حقق صفقة رابحة، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الإنفاق بما يتجاوز احتياجه الحقيقي.

ولا يقتصر هذا الأسلوب على منصات التجارة الإلكترونية، بل يمكن ملاحظته أيضاً في العديد من القطاعات التجارية أو المعنية بتقديم الخدمات، من خلال عروض تحمل عبارات من قبيل: ” استفد من ضعف الرصيد” أو ” عرض محدود” أو ” خصم خاص”. وهي عبارات لا تستهدف السعر في حد ذاته بقدر ما تستهدف خَلق انطباع نفسي لدى المستهلك يدفعه إلى اتخاذ قرار الاشتراك بسرعة. كما تعتمد المساحات التجارية الكبرى على بطاقات الخصومات وخصوصاً الموسمية منها، وعلى عروض من قبيل ” اشتر اثنين واحصل على الثالث مجانا” أو الأسعار المنتهية بالرقم 9، وهي وسائل قد تُؤثر في إدراك المستهلك للعرض بصرف النظر عن مقدار التخفيض الفعلي الذي يحصل عليه المُستهلك. فالزبون في كثير من الأحيان لا يشتري لأنه يحتاج إلى المنتج، وإنما لأنه يخشى أن يفوته العرض، وهو ما يرتبط بمبدأ الخوف من تفويت الفرص (Fear of Missing Out – FOMO). وقد تناولت دراسات هذا المفهوم وعلاقته بالحاجات النفسية والانخراط في وسائل التواصل الاجتماعي [4]. وفي السياق الاستهلاكي، قد يتحول قرار الشراء من قرار قائم على الحاجة إلى استجابة نفسية آنية تقوم على الخوف من فقدان فرصة قد لا تتكرر.

ومن هنا يتضح أن تأثير التسعير النفسي لا يَكمن بالضرورة في تغيير قيمة المنتج، بل في تغيير الطريقة التي يدرك بها المستهلك تلك القيمة، وهو ما يجعل فهم السلوك الاستهلاكي مهماً في تحليل العلاقة بين التسويق والاقتصاد السلوكي.

المحور الثالث: التسعير النفسي بين الفعالية الاقتصادية والإشكال الأخلاقي

إن المغزى الحقيقي من التسعير النفسي لا يَكمن في تغيير القيمة الفعلية للمنتج أو تخفيض ثمنه بالضرورة، فقد يكون السعر المعروض في بعض الأحيان أعلى من قيمته الأصلية أو من ثمنه المرجعي في السوق، غير أن جوهر هذه الاستراتيجية يقوم على فهم عقلية المستهلك وكيفية إدراكه للسعر أكثر من اعتماده على القيمة الحقيقية للسلعة.

وتدرك الشركات المصنعة هذه الحقيقة جيداً، لذلك فإنها لا تتعامل مع جميع المستهلكين بالطريقة نفسها، بل تعتمد تقسيمات للسوق وفق مستويات المنتجات وتموقعها السعري. ففي قاعدة الهرم نجد الفئة الاقتصادية (Bas de gamme)، التي تستهدف المستهلك الباحث عن أقل سعر ممكن، تليها الفئة المتوسطة (Moyenne de gamme)، التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين الجودة والثمن، وصولاً إلى الفئة الراقية (Haut de gamme) في قمة الهرم، والتي تستهدف المستهلك الباحث عن الجودة والتميز أكثر من بحثه عن السعر. ومن هذا المنطلق يختلف السلوك الشرائي باختلاف الفئة المستهدفة، فمستهلك المنتجات الفاخرة لا يجعل الثمن معياره الأول بالضرورة، بل قد ينظر إلى العلامة التجارية والقيمة الرمزية وما تمنحه إياه من مكانة اجتماعية، ولذلك قد لا يدخل في مفاوضة السعر لأن عملية الشراء بالنسبة إليه أقرب إلى الترفيه أو التعبير عن أسلوب حياة معين. أما الفئات الأخرى فقد تفكر مرات عديدة قبل اتخاذ قرار الشراء، وتقارن بين الأسعار والعروض المختلفة لأنها في الغالب تَقتني حاجاتها الأساسية ولا تملك هامشاً واسعاً للإنفاق على الكماليات.

وتقوم فلسفة التسويق الحديثة التي يعد التسعير النفسي أحد أهم أدواتها، على دراسة السوق بطريقة دقيقة بل تتجاوز ذلك إلى تحليل عقلية المستهلك ونفسيته، باعتباره الحجر الأساس داخل السوق والمحرك الحقيقي لعجلة الاقتصاد. ولهذا تلجأ العديد من الشركات إلى تنظيم أيام مفتوحة أو إجراء استطلاعات للرأي تعتمد على استبيانات questionnaires تتضمن أسئلة مغلقة وأخرى مفتوحة، بهدف فهم العادات الاستهلاكية وتحليل أنماط التفكير حتى تتمكن من توجيه سياساتها الإنتاجية والتسويقية نحو المنتجات الأكثر قدرة على تحقيق الإقبال والربح.

غير أن فلسفة التسعير النفسي قد تثير في بعض الأحيان إشكالاً أخلاقياً، ليس لأنها تقوم على التأثير في المستهلك، وإنما لأنها تتحول إلى وسيلة للتضليل إذا استُعملت لإخفاء الثمن الحقيقي للمنتج أو لإيهام الزبون بوجود تخفيض غير حقيقي. ومن الأمثلة التي فرضتها التجارة الإلكترونية تقسيم الثمن بين سعر المنتج ورسوم التوصيل، فيعتقد المستهلك أنه استفاد من عرض منخفض بينما يكون قد أدى في النهاية القيمة نفسها أو قيمة أكبر من الثمن المرجعي للسلعة. وفي هذه الحالة لا يملك المستهلك مجالا واسعا للتفاوض كما هو الحال في التجارة التقليدية، بل يقتصر دوره على القبول أو الرفض، مع أن الحاجة إلى المنتج قد تكون في كثير من الأحيان أقوى من رغبته في المقارنة والبحث. كما أن اعتماد السعر الثابت le prix fixe لا يعد في حد ذاته ممارسة سلبية إذا كان يعكس الجودة الحقيقية للمنتج وقيمة المواد الأولية المستعملة في تصنيعه، أما إذا استُعمل لِفرض ثمن مرتفع على منتج لا يرقى من حيث الجودة إلى ذلك المستوى، فإن التسعير النفسي يتحول من وسيلة للتأثير المشروع في القرار الشرائي إلى أداة تستغل الإدراك النفسي للمستهلك وتؤثر في اختياراته بعيداً عن القيمة الاقتصادية الحقيقية للسلعة.

ومن هنا يتبين أن نجاح التسعير النفسي لا يقوم على تغيير قيمة المنتج، وإنما على تغيير الطريقة التي يدرك بها المستهلك تلك القيمة، وهو ما يجعل فهم عقلية المستهلك وسلوكه أهم بالنسبة للشركات من المنتج نفسه. وخلاصة القول، لا ينبغي للشركات أن تقيس نجاح استراتيجياتها التسويقية بحجم الأرباح التي تحققها فحسب، وإنما بقدرتها على بناء علاقة مع الزبائن تقوم على أسس متينة من الثقة والشفافية. فالمستهلك ليس مجرد رقم داخل السوق، بل هو حجر الأساس الذي تقوم عليه الدورة الاقتصادية وأحد أهم الفاعلين فيها. ومن ثم فإن أي استراتيجية تسويقية تتجاهل هذا البعد الأخلاقي قد تحقق مكاسب آنية، لكنها سرعان ما تفقد على المدى البعيد أهم رأسمال تمتلكه الشركات أَلاَ وهو ثقة المستهلك، التي تظل الضامن الحقيقي لاستمرارها.

المراجع:

  • Thomas, Manoj, and Vicki Morwitz. “Penny Wise and Pound Foolish: The Left-Digit Effect in Price Cognition.” Journal of Consumer Research, vol. 32, no. 1, 2005, pp. 54–64.
  • Nobel Prize. “The Prize in Economic Sciences 2017 – Press Release.” 9 October 2017.
  • Kahneman, Daniel, and Amos Tversky. “Prospect Theory: An Analysis of Decision under Risk.” Econometrica, vol. 47, no. 2, 1979, pp. 263–291.
  • Przybylski, Andrew K., Kou Murayama, Cody R. DeHaan, and Valerie Gladwell. “Motivational, Emotional, and Behavioral Correlates of Fear of Missing Out.” Computers in Human Behavior, vol. 29, no. 4, 2013, pp. 1841–1848.
شارك الخبر: