المغرب
سياسة

الكورتي: بطل الظل في تنظيم النقل العام المغربي.. بين القانون والحقوق المفقودة

العمق المغربي26 أكتوبر 2026 في 10:220 مشاهدة
الكورتي: بطل الظل في تنظيم النقل العام المغربي.. بين القانون والحقوق المفقودة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الكورتي وتدبير المرفق العام للنقل: دراسة في القانون الإداري والضبط الترابي والسياسات الأمنية" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 26 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يثير وجود "الكورتي" في المحطات الطرقية ومواقف سيارات الأجرة بصنفيها الأول والثاني إشكالية قانونية وسياسية عميقة في التجربة المغربية لتدبير المرافق العمومية الترابية. هذا الشخص، الذي يسهر فعلياً وبشكل يومي على تسيير مرفق حيوي هو مرفق المحطة الطرقية والنقل بواسطة الطاكسيات، التي تستقبل يومياً مئات وآلاف المسافرين، يتولى ضبط وتنظيم عملية التنقل بالكامل. لكن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا الشخص، الذي يضمن استمرارية المرفق العام ويمنع سقوطه في الفوضى، يشتغل خارج أي إطار نظامي. فهو لا يتقاضى أجرة شهرية، ولا يتمتع بصفة موظف جماعي أو عون عمومي، ولا يتوفر على أي امتيازات تضمن حقوقه المالية أو الاجتماعية، فلا انخراط له في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولا انتساب لأي مؤسسة من مؤسسات الرعاية والتقاعد.

تقتضي دراسة هذه الظاهرة تفكيك الأبعاد القانونية والإدارية والأمنية والسياسية والدستورية التي تجعل من الكورتي حلقة وصل غير رسمية بين الجماعات الترابية، والمصالح اللامركزة وسلطات الإدارة الترابية (القايد، الباشا، العامل، الوالي)، ومصالح الأمن الوطني والدرك الملكي ومراقبة التراب الوطني.

الكورتي في ميزان القانون الإداري وتدبير المرفق العام المحلي

بالرجوع إلى القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات الترابية، فإن إحداث وتدبير المرافق والتجهيزات العمومية الجماعية، ومن ضمنها المحطات الطرقية ومواقف سيارات الأجرة، يدخل في صلب اختصاصات الجماعة ورئيس مجلسها في إطار الشرطة الإدارية الجماعية. كما يخضع قطاع سيارات الأجرة لسلطة الوالي أو العامل، الذي يتولى إصدار القرارات المنظمة للقطاع ومنح رخص الثقة وتدبير سجل المأذونيات (الكريمات).

في الواقع الميداني، تعجز الجماعات الترابية عن توفير العدد الكافي من الموظفين لتسيير كل موقف للطاكسيات على مدار الساعة. هنا يبرز الكورتي بوصفه مسيراً واقعياً للمرفق العام، وهو ما يقترب في الفقه الإداري من نظرية الموظف الفعلي أو المسير الواقعي للمرفق العمومي. فمنذ اللحظة الأولى التي يلج فيها الطاكسي إلى الرصيف، يتولى الكورتي ضبط دوره في طابور الانتظار، وترتيب وقوف العربات، واستقبال المسافرين وتوجيههم، ومراقبة شحن الأمتعة، وفض النزاعات، وصولاً إلى إعطاء إشارة مغادرة الطاكسي للمحطة بعد اكتمال نصابه القانوني. ويكتسي هذا الدور أهمية قصوى في تكريس مبدأ استمرارية المرفق العام بانتظام واضطراد، فكل توقف أو اضطراب في تنظيم عملية الدخول والخروج يؤدي فوراً إلى فوضى عارمة وتكدس للمئات من المرتفقين.

مفارقة التسيير بدون حقوق: غياب الأجرة والتقاعد والحماية الاجتماعية

على الرغم من أن الكورتي يؤدي وظيفة عمومية ويحمي المرفق من الشلل والفوضى، إلا أن وضعيته القانونية والاجتماعية تكشف عن مفارقة صارخة، إذ يشتغل في فراغ قانوني وحقوقي تام. فالجماعة أو البلدية، التي تستفيد من استقرار المحطة ومن الرسوم الجبائية، لا تصرف للكورتي أي أجرة شهرية ولا تعويضاً مالياً، ولا تدرجه ضمن لوائح أعوانها. ونتيجة لغياب علاقة الشغل القانونية، يظل الكورتي محروماً من أي انخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو الصندوق المغربي للتقاعد، ولا يستفيد من التأمين الإجباري عن المرض، ولا من التعويض عن حوادث الشغل.

إن المورد المالي الوحيد للكورتي هو ذلك الاقتطاع العرفي البسيط الذي يدفعه له السائقون عن كل رحلة تنطلق من المحطة (التعميرة). وحينما يتقدم الكورتي في السن، أو يصاب بمرض مزمن، أو يعجز بدنياً عن الوقوف، فإنه يجد نفسه خارج المحطة بدون معاش تقاعدي وبدون أي ضمانة مالية تحفظ كرامته بعد عقود من السهر الفعلي على تسيير مرفق عام حيوي.

وتدير السلطات الترابية واللامركزة هذه الوضعية عبر آلية التسامح الإداري المشروط. فهي تغض الطرف عن استخلاصه لتلك الدراهم المعدودة من السائقين في الملك العمومي بدون سند قانوني، مقابل قيامه بعبء تسيير المحطة وضبطها أمنياً وتنظيمياً دون تحميل ميزانية الدولة أو الجماعة أي تكلفة مالية، شريطة التزامه بعدم ممارسة الابتزاز أو الإخلال بالنظام العام.

موقع الكورتي في السياسات الأمنية واليقظة الاستعلاماتية الترابية

بالموازاة مع وظيفته الإدارية، يشكل الكورتي ركيزة ميدانية في السياسات الأمنية القائمة على الاستباق واليقظة الترابية. فلكونه الشخص الأول الذي يمر عبره المسافر إجبارياً قبل الصعود إلى الطاكسي، فإنه يتحول إلى مصفاة بشرية ترصد حركة العابرين. وفي إطار التنسيق اليومي بين الإدارة الترابية (المقدم، الشيخ، القايد، الباشا، قسم الشؤون الداخلية بالعمالة) وبين المصالح الأمنية (شرطة قضائية، استعلامات عامة، مراقبة التراب الوطني، الدرك الملكي)، يتجلى الدور الأمني للكورتي في عدة مستويات.

فعلى مستوى الفرز الاستباقي للمسافرين والطرود، تعتمد العناصر المبحوث عنها، والفارون من مسرح الجريمة، ومروجو المخدرات، على سيارات الأجرة لمرونتها وغياب الحجز الهوياتي المسبق فيها. غير أن الكورتي المتمرس يلتقط القرائن الميدانية غير العادية أثناء تنظيم الركوب، كالمسافر الغريب الذي تبدو عليه علامات الارتباك، أو الشخص الذي يطلب كراء المقاعد الستة دفعة واحدة (الكروسة الخاوية)، أو الراكب الذي يحمل أمتعة مشبوهة، أو إرساليات الطرود غير المرفوقة بأصحابها. عند رصد أي حالة من هذه الحالات، يعمد الكورتي إلى افتعال تأخير عادي في إقلاع الطاكسي، أو يوجه الراكب المشتبه فيه نحو سائق مهني موثوق، ويشعر في الحين المقدم أو عناصر الشرطة أو الدرك برقم تسجيل الطاكسي، ورقم المأذونية، وأوصاف الراكب، والوجهة المقصودة.

وعلى مستوى التأمين الميداني للتمفصل الترابي بين الأمن الوطني والدرك الملكي، فإن الإشعار الفوري الذي يصدره الكورتي عند خروج السيارة من المحطة يربط تلقائياً بين شرطة المدينة وبين السدود القضائية للدرك الملكي على الطريق، مما يسمح بتوقيف المركبة المشبوهة بدقة في نقطة المراقبة الطرقية دون حاجة إلى تعطيل حركة السير العامة.

كما يظهر هذا الدور في المدن الساحلية والحدودية، حيث يرصد الكورتي تحركات مجموعات الشباب المرشحين للهجرة غير النظامية والوسطاء الذين يجمعونهم في المحطات لنقلهم نحو نقط الانطلاق السري.

وتفرز الممارسة الأمنية والإدارية داخل المحطات تمييزاً دقيقاً بين ثلاثة أصناف من الفاعلين: أمين المحطة (ممثل مهني ونقابي)، الكورتي المسير والمتعاون الميداني، والمخبر المعتمد (البركاك) الذي يشتغل تحت غطاء كورتي أو مساعد بالمحطة لتتبع أهداف أمنية وجنائية محددة سلفاً.

البعد السياسي والدستوري لوظيفة الكورتي في النظام المغربي

عند تحليل موقع الكورتي من زاوية القانون الدستوري وعلم السياسة، يتبين أن دوره يتجاوز التنظيم الميداني للطاكسيات ليشكل أداة غير رسمية لحفظ التوازنات السياسية والاجتماعية. ويظهر ذلك أولاً في حماية مبدأ استمرارية المرفق العام ومنع مسيرات المسافرين وإضرابات السائقين. فالدستور المغربي والقانون الإداري يكرسان مبدأ استمرارية المرافق العمومية. وتعتبر المحطة الطرقية من أكثر الفضاءات قابلية للانفجار الاجتماعي، إذ إن أي شلل في حركة الطاكسيات يؤدي فوراً إلى تجمهر مئات وآلاف المسافرين، وقد يتحول هذا التجمهر في دقائق إلى مسيرات احتجاجية أو وقفات احتجاجية تغلق الشوارع وتشكل تهديداً مباشراً للنظام العام.

وهنا يتدخل الكورتي كأداة ضبط سياسي بيد القايد والباشا وقسم الشؤون الداخلية بالعمالة، فهو من جهة يرصد بوادر الإضراب ويبلغ السلطة الترابية بأسماء المحرضين قبل توقف الحركة، ومن جهة ثانية يعمل أثناء الأزمات بتوجيه من السلطة على تأمين اشتغال السائقين غير المضربين وتسريع تعمير سياراتهم وإخراجها من المحطة لامتصاص غضب المسافرين ومنع تشكل أي بؤرة احتجاجية.

ويظهر ثانياً في تدبير التناقضات داخل منظومة الريع المرتبطة بالكريمات. فقطاع سيارات الأجرة في المغرب يرتكز على نظام المأذونيات الخاضع لوصاية وزارة الداخلية والولاة والعمال، وهو نظام أفرز تشابكاً معقداً في المصالح بين أصحاب المأذونيات، والمستغلين الفعليين (أصحاب رأس المال)، والسائقين المهنيين. إن المحطة هي الفضاء اليومي الذي تتصادم فيه هذه الفئات، والكورتي هو الضابط الميداني الذي يدير هذا التوتر اليومي ويمنع تحوله إلى صراعات مفتوحة تربك الإدارة الترابية.

ويتجلى ثالثاً في تحقيق التوازن بين حرية التنقل الدستورية وحفظ النظام العام. فالفصل الرابع والعشرون من الدستور المغربي يضمن حرية التنقل، بينما يلزم الفصل الحادي والعشرون السلطات العمومية بضمان سلامة السكان وسلامة التراب الوطني. ومن خلال المراقبة الميدانية غير المرئية التي يمارسها الكورتي، تستطيع مصالح الدولة تتبع العناصر المشتبه فيها عبر التراب الوطني دون اللجوء إلى إجراءات استثنائية تقيد حرية السفر العادية للمواطنين.

كما يبرز رابعاً في مراقبة التعبئة الاحتجاجية وتدفق الكتلة الناخبة. فخلال فترات التوتر الاجتماعي أو الدعوات إلى مسيرات احتجاجية، تشكل المحطة نقطة رصد سياسي متقدم، إذ يبلغ الكورتي السلطة المحلية ومصالح الاستعلامات العامة عن أي تنقل جماعي للنشطاء أو المحتجين المتجهين عبر سيارات الأجرة. وفي مواسم الانتخابات، حيث يعد الطاكسي الكبير وسيلة النقل الأساسية للناخبين، يصبح الكورتي مصدراً رئيسياً للسلطة الترابية لرصد حركية الناخبين ومعرفة حجم تسخير أسطول النقل من طرف المرشحين المحليين.

أضف إلى ذلك دوره في رصد المزاج العام وتغذية تقارير الشؤون الداخلية. فالمحطة وعربة الطاكسي تشكلان فضاء يومياً لنقاشات المواطنين حول القرارات الحكومية، وغلاء المعيشة، وجودة المرافق العمومية. ومن خلال تواجده اليومي وسط المسافرين والسائقين، يلتقط الكورتي هذه المؤشرات الميدانية وينقلها عبر المقدم إلى القايد، لتصب في التقارير اليومية المرفوعة إلى قسم الشؤون الداخلية بالعمالة أو الولاية، مما يمد الإدارة الترابية بصورة دقيقة عن درجة الاحتقان أو الرضا الشعبي.

خاتمة

تخلص هذه الدراسة إلى أن الكورتي في المغرب يمثل نموذجاً فريداً للمسير الواقعي للمرفق العام ومعاوناً ميدانياً غير رسمي للشرطة الإدارية والسلطة الترابية والأجهزة الأمنية. فهو الذي يمسك بزمام المحطة الطرقية التي يعبرها آلاف المسافرون يومياً، وينظم دورة الطاكسي من لحظة دخوله إلى لحظة خروجه، ويحمي المرفق من التوقف والفوضى التي قد تقود إلى مسيرات احتجاجية أو إضرابات تشل حركة التنقل. غير أن هذه الوظيفة الحيوية تقابلها هشاشة قانونية واجتماعية مطلقة، تتفاقم اليوم مع انتشار تطبيقات النقل الذكي وإحداث المحطات الطرقية الحديثة المزودة بالبوابات الإلكترونية وكاميرات المراقبة. وبينما تستفيد الجماعات الترابية والمصالح اللامركزة والأجهزة الأمنية من خدماته المجانية على مدار الساعة، يظل الكورتي مجرداً من أي صفة قانونية، محروماً من الأجرة الشهرية، ومن التغطية الاجتماعية والصحية، ومن الحق في التقاعد والمعاش يوم يغادر رصيف المحطة.

شارك الخبر: