المغرب
ثقافة

الميداوي واللغة: مسؤولية الخطاب العمومي في مواجهة تحولات الوعي

العمق المغربي27 أكتوبر 2026 في 21:220 مشاهدة
الميداوي واللغة: مسؤولية الخطاب العمومي في مواجهة تحولات الوعي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الميداوي وتحولات الوعي: مسؤولية اللغة في الخطاب العمومي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 27 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

منتدى العمق - 27 أكتوبر 2026 - 21:19

تصبح الكلمات عاجزة عندما يتجدد الوعي ويبقى أصحابها أسرى المعاني القديمة. ويكشف الجدل الذي يواجهه وزير التعليم العالي والبحث العلمي، عز الدين الميداوي، عن مأزق يتجاوز مجرد التعبير غير الموفق، ليلامس علاقة المسؤول بالزمن الذي يخاطبه. فالمجتمع في تغير مستمر، والأشخاص الذين اعتاد الخطاب الرسمي التحدث باسمهم أصبحوا اليوم أكثر قدرة على إسماع أصواتهم، والدفاع عن حقوقهم، ومساءلة السلطة عن المفردات التي تصفهم بها، وعن صورتهم أمام الآخرين.

بدأت الواقعة خلال جلسة لمجلس النواب يوم الاثنين 26 أكتوبر، أثناء رد الوزير على سؤال حول إحداث جامعة بجهة درعة تافيلالت. وفي سياق حديثه عن الحركية الطلابية ومخاطر الانغلاق المحلي، استعمل الوزير عبارة «Mariage mongolien». وعلى إثر ذلك، برزت مطالبة المنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة بتقديم اعتذار علني وسحب العبارة من المحضر الرسمي، معتبرة أنها تمس بكرامة الأشخاص في وضعية إعاقة.

تكشف هذه الحادثة عن صعوبة مخاطبة مجتمع متغير بلغة توقفت عند تصورات تجاوزها الوعي العام. فمع تجدد خبرة الإنسان وتوسع نظرته إلى نفسه والعالم، فإن ما كان يمر في زمن سابق دون اعتراض قد يواجه اليوم مساءلة مشروعة. ولا يعني ذلك تبدل مفهوم الكرامة، بل اتساع الوعي بانتهاكها، وأن الصمت القديم لم يكن دليلاً على سلامة الكلمات.

إن استمرار المؤسسة في أداء رسالتها يقتضي تجدد تصوراتها ومناهج عملها؛ فالوفاء لمبادئها يستلزم مراجعة لغتها كلما كشفت المعرفة عن ضرر بعض مفرداتها. فالصفة التي استخدمها الوزير تستدعي تسمية طبية قديمة ارتبطت بمتلازمة داون، وحملت تصورات عرقية تجاوزتها المعرفة العلمية. واستحضارها في تشبيه اجتماعي يعيد إنتاج الوصم، حتى وإن لم تكن الإعاقة هي موضوع النقاش المباشر.

المشكلة تكمن في أن الإنسان يتحول داخل هذا الاستعمال إلى مجرد علامة على الخلل، بينما تختفي شخصيته وقدراته وحياته خلف لفظ يستعير اختلافه ليشرح به ما يريد انتقاده. ومهما يكن قصد الوزير، فإن المسؤولية العمومية تشمل أثر الكلام. فالمواطن يسمع منصباً يتحدث، ويرى مؤسسة تمنح العبارة سلطة الانتشار والتداول. وتزداد هذه المسؤولية عندما يتعلق الأمر بوزير يشرف على الجامعة والبحث العلمي؛ إذ يُنتظر منه أن يراجع أدوات التعبير كما يراجع الباحث مفاهيمه، وأن يكون منتبهاً إلى المسافة التي تفصل المصطلح الموروث عن المعرفة الراهنة.

أما القضية الأصلية المتعلقة بتوسيع الحركية الطلابية وتقريب الجامعة من الجهات، فتستحق نقاشاً أكثر دقة وإنصافاً. فتوسيع الحركية الطلابية هدف وجيه، وتقريب الجامعة من الجهات مطلب مشروع. ويمكن الجمع بينهما بسياسة توفر مؤسسات تعليمية جيدة، ومنحاً وسكناً ونقلاً يتيح للطلبة حرية الاختيار. أما تقديم البقاء في الجهة باعتباره مدخلاً للانغلاق، فيحتاج إلى حجج ومعطيات، خصوصاً أن الرحيل للدراسة ليس متاحاً بالقدر نفسه لجميع الأسر.

ولنتخيل طالباً يتابع الجلسة وله أخ ذو متلازمة داون: ماذا يسمع في هذا التشبيه؟ يسمع اختلاف أخيه مستعملاً للتحذير من وضع غير مرغوب فيه. هنا تتضح وظيفة اللغة في صناعة المسافة الاجتماعية. فالإدماج يبدأ أيضاً من الكلمات التي تتيح للإنسان أن يرى نفسه عضواً كاملاً في المجتمع، ويضعف عندما يصبح اختلافه مادة لتشبيه ينتقص منه.

ولذلك، تستند المطالبة بالتصحيح إلى أساس يتجاوز مجرد الانزعاج الفردي. فتصدير الدستور يحظر التمييز بسبب الإعاقة، ويلزم الفصل الرابع والثلاثون السلطات باتخاذ سياسات للإدماج وتيسير التمتع بالحقوق. وتدعو المادة الثامنة من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إلى مكافحة الصور النمطية والتحيزات. وهذه المرجعيات تمنح النقاش معياراً واضحاً: على الخطاب الرسمي أن يسهم في إزالة الوصم واحترام الكرامة الإنسانية.

والاعتذار المطلوب يستطيع أن يكون لحظة تعلم مؤسسي: تسمية الخطأ بوضوح، والإقرار بأثره، وتصحيح المعنى أمام الجمهور نفسه. ثم تترجم هذه المراجعة إلى تكوين في التواصل الدامج، وإشراك الأشخاص المعنيين في بناء السياسات الجامعية. أما الاكتفاء بالتشطيب على العبارة وحدها، فلن يمحو أثرها من ذاكرة من سمعها؛ فالمحضر يمكن تعديله، لكن الثقة تحتاج إلى فعل يبرهن على استيعاب الدرس.

وتبدأ الخطوة الأولى بالإنصات إلى الأسر والجمعيات، والتعامل مع اعتراضها بوصفه معرفة بتجربة الأذى، ومساهمة في تحسين أداء المؤسسات. لقد تغير المجتمع الذي يخاطبه المسؤول، وأصبح أفراده أكثر قدرة على تسمية الجرح والاعتراض عليه. ويبقى الامتحان الحقيقي في قدرة السلطة على التعلم من هذا التحول. فمكانة المسؤول تكبر بمقدار ما يصون كرامة مخاطبيه، والجامعة تكتمل رسالتها عندما يتجدد وعي القائمين عليها. فأجمل ما يفعله العلم أن يحرر العقل من الوهم، وأعدل ما تفعله السياسة أن تحرر الإنسان من الوصم.

شارك الخبر: