المغرب: الاستقرار والدبلوماسية مفتاح تمثيل إفريقيا في مجلس الأمن


هذا الخبر بعنوان "المغرب يراهن على الاستقرار والدبلوماسية لتمثيل إفريقيا في مجلس الأمن" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 27 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعاد تصريح وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، خلال فعاليات “منتدى الحوكمة العالمية 2026” الذي انعقد بمنطقة شيونغان نهاية الأسبوع الماضي، حول ضرورة إصلاح منظومة الأمم المتحدة وضمان تمثيل دائم لإفريقيا في مجلس الأمن، النقاش حول أبرز الدول المرشحة لشغل هذه العضوية التي تدعمها أيضا الولايات المتحدة الأمريكية التي أعربت عن دعمها لتخصيص مقعدين دائمين للقارة السمراء في هذه الهيئة السياسية الأممية، لكن دون حق النقض “الفيتو”.
ويمثل غياب التمثيل الإفريقي عن مجلس الأمن واحدا من أبرز مظاهر الخلل الهيكلي في النظام الدولي المعاصر، ومفارقة سياسية تعود جذورها إلى سياق ما بعد الحرب العالمية الثانية حين كانت معظم دول القارة ترزح تحت وطأة الاستعمار، في حين تحولت اليوم إلى كتلة ديموغرافية وجيو-سياسية لا يمكن تجاوزها، خاصة مع وجود انتقادات لمجلس الأمن بشأن استئثاره بإدارة قضايا القارة ومصيرها الأمني والسياسي دون منحها مقعدا يتيح لها الدفاع عن مصالحها وطموحاتها.
وإذا كانت العديد من القوى الدولية متفقة نظريا لتصحيح هذه “المظلمة السياسية” التي تتطلب تعديل ميثاق الأمم المتحدة وموافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه يكمن في هوية الدولة المؤهلة لحمل هذا التفويض التاريخي؛ وهنا تبرز المملكة المغربية كمرشح مؤهل وبقوة في مقابل منافسين تقليديين يثقل كاهلهم ركام من الأزمات الهيكلية ونقاط الضعف الجيو-سياسية.
وفي مقابل المنافسين، تدعم الشرعية المؤسساتية وعقيدة الاستقرار ملف المملكة المغربية في هذا الصدد؛ إذ تقدم الرباط نموذجا يجمع بين الاستقرار الداخلي والموثوقية الدبلوماسية، إلى جانب سجله في عمليات حفظ السلام واستثماراته ومشاريعه الممتدة في العمق الإفريقي والتزامه بقضايا القارة، بحيث جعل الدستور المغربي من “تقوية علاقات التعاون والتضامن مع الشعوب والبلدان الإفريقية، ولا سيما مع بلدان الساحل وجنوب الصحراء”، واحدا من التزامات المملكة.
ورغم طرح أسماء دول عديدة لتمثيل إفريقيا داخل مجلس الأمن كجنوب إفريقيا والجزائر ومصر ونيجيريا وإثيوبيا، إلا أن مجرد إلقاء نظرة فاحصة على سياسات وتوجهات بعض هذه البلدان تكشف عن موانع بنيوية تجعل تمثيلها للقارة مستبعدا، فبريتوريا على سبيل المثال تعاني من أزمة اقتصادية خانقة واستقطاب داخلي حاد بسبب ارتهانها لمحاور إيديولوجية أضرت بعلاقاتها الدولية، إضافة إلى مساهمة مواقفها تجاه عدد من القضايا الإقليمية في خلق انقسامات داخل البيت الإفريقي نفسه، مما يفقدها صفة “الطرف الموثوق” لإدارة التوافقات العالمية.
إضافة إلى ذلك، توجه منظمات حقوقية، منها “هيومن رايتس ووتش” ومنظمة العفو الدولية، انتقادات حادة إلى جنوب إفريقيا بسبب تصاعد موجات العنف والكراهية ضد المهاجرين في إطار ما يعرف بـ”الكزينوفوبيا” التي سببت توترات في علاقات هذا البلد مع دول الجوار، إضافة إلى سيطرة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم على كل مفاصل الدولة منذ عقود ومواقفه المتطرفة ومعضلة الفساد التي تنخر اقتصاد البلاد.
في محور جنوب إفريقيا نفسه، تبرز الجزائر التي فشلت في نيل عضوية منظمة “بريكس”، والتي يرتهن اقتصادها بشكل رئيسي للريع الهيدروكربوني (النفط والغاز) المتقلب، وليست مندمجة في سلاسل الإمداد العالمية غير النفطية، إضافة إلى تورطها في النزاعات الإقليمية وتدخلها في الشؤون الداخلية لدول الجوار، آخرها قرار إرسال جيشها إلى دولة النيجر الذي يجمع مهتمون على أن هذه الدولة المغاربية ستدفع ثمنه باهظا.
وتضم قائمة الدول المرشحة أيضا دولة نيجيريا، التي تستند إلى ثقلها الديموغرافي كأكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان، غير أن حسابات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي تخضع لمعايير صارمة تتجاوز مجرد الحجم والعدد؛ إذ تفترض هذه العضوية أولا قدرة الدولة على تصدير الاستقرار وضمان الأمن الإقليمي والدولي. في هذا الصدد، تعاني نيجيريا من أزمات أمنية بنيوية مزمنة داخل حدودها؛ إذ تواجه تمردا إرهابيا مستمرا منذ أكثر من عقد ونصف العقد تقوده جماعة “بوكو حرام” وتنظيم “داعش” في غرب إفريقيا، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية التي رفعت من نسبة البطالة والفقر في هذا البلد الذي يوجد في محيط إقليمي غير مستقر ومازال يشهد صراعات إثنية ودينية أدت إلى ظهور جماعات انفصالية في جنوب شرق البلاد.
في سياق متصل، طرحت تقارير إعلامية أيضا اسم إثيوبيا التي تستمد مشروعيتها من كونها العاصمة الدبلوماسية للقارة الإفريقية، غير أن هشاشة الاستقرار الداخلي في هذا البلد بسبب الحروب الأهلية بين العرقيات، وتصدع النظام الفيدرالي القائم على الهويات العرقية، والتوترات مع دول الجوار، خاصة مصر بسبب أزمة “سد النهضة”، وإيريتيريا والصومال، والسياسة الصدامية لأديس أبابا في مساعيها للحصول على منفذ على البحر الأحمر، تُضعف قوة الملف الإثيوبي وقدرة هذا البلد على تمثيل المصالح الإفريقية المشتركة في مجلس الأمن.
غير بعيد عن إثيوبيا يبرز اسم جمهورية مصر العربية كمنافس قوي على شغل مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، مستندة إلى موقعها الجيو-سياسي الفارق كحلقة وصل استراتيجية بين إفريقيا والعالم العربي، وثقلها العسكري الضخم في المنطقة، إضافة إلى تاريخها الدبلوماسي العريق داخل أروقة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي. ورغم الرصيد السياسي للقاهرة، إلا أن عددا من القراءات تذهب في اتجاه القول بتآكل النفوذ الإقليمي لمصر في السنوات الأخيرة لصالح قوى صاعدة أخرى، خاصة مع عجزها في حسم ملف “سد النهضة” الذي يضرب أمنها القومي عبر اتفاق قانوني ملزم، فضلا عن تراجع أدوارها في هندسة مسارات الاستقرار في جوارها المباشر ليبيا والسودان، حيث باتت أطراف إقليمية أخرى تمتلك مفاتيح التأثير الميداني والسياسي بدلا منها.
إن المقارنة بين ملفات المترشحين المحتملين لشغل مقعد دائم بمجلس الأمن الذي يتولى المسؤولية الرئيسية عن صون السلم والأمن الدوليين، تكشف أن المغرب ليس مجرد اسم إضافي في هذه القائمة، بل الخيار الأكثر واقعية لتمثيل صوت القارة السمراء في هذا الجهاز الأممي، مدعوما بتجربة راكمها في الوساطة الدبلوماسية وصيانة الأمن الإقليمي ومحاربة الإرهاب والانفتاح الاقتصادي والعلاقات الدولية المتوازنة، مقدما نموذجا يجعل منه الخيار الأجدر بحمل هذا التفويض التاريخي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة