المغرب
ثقافة

فرنسا تحتفي بذكرى ميشيل فوكو وسط احتجاجات طلابية تستعيد روح ماي 1968

هسبريس28 أكتوبر 2026 في 01:160 مشاهدة
فرنسا تحتفي بذكرى ميشيل فوكو وسط احتجاجات طلابية تستعيد روح ماي 1968

تنويه

هذا الخبر بعنوان "فرنسا تحتفل بمائوية الفيلسوف فوكو .. والطلبة يوقظون "أشباح ماي 1968"" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 28 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتداخل سخرية التاريخ أحياناً مع ما لا يستطيع أعظم الروائيين ابتكاره، ففي الوقت الذي احتفت فيه فرنسا بالذكرى المئوية لميلاد الفيلسوف ميشيل فوكو، الذي وُلد في 15 أكتوبر 1926، اندلعت احتجاجات طلابية واسعة في شوارعها، مستحضرةً روح ماي 1968، حيث تحول التمرد على الجامعة إلى مساءلة شاملة للمجتمع والسلطة والقيم السائدة. يبدو أن فرنسا، وهي تكرم أحد أكثر مفكريها إزعاجاً للمؤسسات، تدرك أن الأسئلة التي طرحها لم تمت معه، وأن السلطة التي فكك آلياتها ما تزال تولّد أسباب الاعتراض عليها.

في الكوليج دو فرانس، حيث درّس فوكو بين عامي 1970 و1984، يُحتفى بمساره الفكري من خلال معرض مشترك مع المكتبة الوطنية الفرنسية، افتُتح في 30 سبتمبر 2026 ويستمر حتى 15 يناير 2027، بالإضافة إلى ندوات ومحاضرات تستعيد مخطوطاته وأرشيفه وأسئلته الفلسفية. وفي المقابل، يرفع جيل جديد في الشوارع، بالقرب من المؤسسات المحتفية به، صوته احتجاجاً على تدهور شروط التعليم، ونقص المدرسين، وتفاقم الفوارق الاجتماعية، والعنف الأمني. وقد شارك عشرات الآلاف في مظاهرات 8 أكتوبر، فيما أعلنت الحكومة إجراءات استعجالية للاستجابة لبعض المطالب.

تكمن المفارقة ليس فقط في تزامن الاحتفال والاحتجاج، بل في طبيعة العلاقة بينهما؛ فالسلطة تحتفي بفيلسوف جعل من نقد السلطة مشروع حياته، بينما يحتج الطلبة على مؤسسات كان فوكو من أجرأ المفكرين في كشف وظائفها الخفية. إنها لحظة يلتقي فيها فوكو كإرث ثقافي بفوكو كأداة للقلق الفكري والسياسي. لقد غيّر فوكو نظرتنا إلى السلطة، فلم يعد السؤال عنده مقتصراً على من يحكم، بل تعمق ليشمل كيفية إنتاج الطاعة داخل تفاصيل الحياة اليومية، وكيفية تصنيف الأفراد ومراقبة سلوكهم وتحديد ما هو طبيعي وما هو منحرف.

في كتابه “المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن” (1975)، كشف فوكو أن المجتمعات الحديثة لم تتخلص من آليات الإخضاع، بل أعادت تنظيمها بصورة أكثر دقة وفعالية عبر مؤسسات كالسجن والمدرسة والثكنة والمستشفى، التي تتقاطع في استعمال تقنيات المراقبة والتصنيف وإنتاج الأجساد المنضبطة. من هذا المنطلق، يتجاوز احتجاج التلاميذ والطلبة الاعتراض على نقص التجهيزات أو اضطراب البرامج الدراسية، ليصبح مناسبة لطرح سؤال أعمق: أي نوع من المواطنين تريد المؤسسة التعليمية إنتاجه؟ هل تسعى إلى تكوين ذوات مستقلة قادرة على النقد، أم إلى إعداد أفراد يتكيفون مع النظام القائم؟

تكتسب استعادة روح ماي 1968 دلالتها الخاصة، ففي تلك اللحظة الاستثنائية، كانت الجامعة الفرنسية موضوعاً للاحتجاجات، حيث اعترض الطلبة على العلاقات الهرمية والمحافظة الأخلاقية والمجتمع الصناعي الاستهلاكي. لم تكن أحداث ماي 1968 ثورة طلابية معزولة، بل التحمت بالحركة العمالية، مما وضع النظام الفرنسي أمام أزمة تتجاوز أسوار الجامعة. ومع ذلك، فإن استعادة ماي 1968 اليوم تستوجب الحذر من التشابه السهل؛ ففرنسا 2026 تختلف عن فرنسا ديغول، والطلبة المعاصرون يعيشون في عالم مختلف. ورغم ذلك، يجمع اللحظتين شعور الأجيال الشابة بأن المؤسسات عاجزة عن الوفاء بوعودها، وأن الخطاب الرسمي حول تكافؤ الفرص لا ينعكس دائماً في التجربة اليومية.

لم يكن فوكو قائداً لانتفاضة ماي 1968، بل كان يدرّس في تونس، واحتك بالحراك الطلابي والقمع السياسي، قبل أن يعود إلى فرنسا وينخرط في التجربة الجامعية الجديدة. تعزز حضوره النضالي بانخراطه في الدفاع عن السجناء والمهمشين. كان اهتمام فوكو موجهاً إلى أولئك الذين لا تسمع المؤسسات أصواتهم إلا حين يخالفون قواعدها. لم يكن المثقف عنده مجرد صاحب نظرية، بل فاعل يشتغل على مواقع تتشابك فيها المعرفة بالسلطة.

تطرح المفارقة المحرجة كيف تتحول الأفكار المتمردة، بعد رحيل أصحابها، إلى جزء من التراث الرسمي الذي تحتفي به المؤسسات ذاتها التي كانت موضع نقدها. إن تحويل الفيلسوف إلى مناسبة تذكارية لا يشكل خيانة لفكره، لكن الخطر يبدأ حين يتحول الاحتفاء إلى تحييد للقوة النقدية للأفكار، ويصبح المفكر المزعج اسماً مطمئناً في ذاكرة المؤسسة. فوكو الذي نحتفي به اليوم صاحب مؤلفات أكاديمية، ولكنه أيضاً صاحب السؤال الذي يزعج كل مؤسسة: ما الذي تخفيه اللغة التي تقدم بها نفسها؟ وما علاقات القوة التي تعمل خلف ادعاءاتها بالحياد والعقلانية؟

من الإنصاف ألا نختزل فكر فوكو في إدانة شاملة للمؤسسات. فهو لم يعتبر السلطة شراً مطلقاً، بل حللها كشبكة من العلاقات المتحركة التي تُنتج المعرفة والسلوك وتفتح إمكانات للمقاومة. كما أن مطالب المحتجين تستدعي أحياناً تدخلاً عمومياً أقوى واستثماراً أكبر في المدرسة. هذه المفارقة تجعل التحليل الفوكوي أكثر خصوبة من مجرد شعار ضد السلطة.

تواجه فرنسا الراهنة امتحاناً مزدوجاً: الحفاظ على تقليدها الفكري النقدي، وإثبات قدرتها على الإصغاء إلى من يمارسون هذا النقد خارج المؤسسات. فالديمقراطية لا تقاس بحرية تكريم الفلاسفة، بل بقدرتها على احتمال الأسئلة المزعجة التي يطرحها الأحياء. إن أخطر ما يصيب المجتمعات الحديثة هو إتقان الاحتفاء بتاريخ الاحتجاج لدرجة نسيان أسبابه. عندئذ يصبح ماي 1968 صورة قديمة، وفوكو تمثالاً فكرياً، فيما تُترك الأسئلة معلقة بلا أجوبة.

مئوية فوكو ليست مناسبة لاستعادة الماضي، بل لامتحان الحاضر. وهي تدعونا للتساؤل عما إذا كانت المؤسسات قادرة على استيعاب النقد دون تدجينه، وعلى الاعتراف بالاختلاف دون تحويله إلى مجرد موضوع للدرس. بين قاعات الكوليج دو فرانس التي تستعيد صوت الفيلسوف، والساحات الفرنسية التي يرتفع فيها صوت المحتجين، تتشكل صورة بليغة عن العلاقة المضطربة بين المعرفة والسلطة والحرية. وإذا كان ماي 1968 قد أثبت أن الجامعة قد تتحول إلى فضاء لإنتاج التمرد، فإن أكتوبر 2026 يذكرنا بأن الفلسفة تقاس بالأسئلة التي تظل قادرة على إيقاظها بعد رحيل أصحابها.

السخرية الأخيرة أن فرنسا تستطيع اليوم الاحتفال بفوكو كما تشاء، لكنها لا تستطيع أن تحتفل به حقاً دون أن تواجه السؤال الذي ظل يطارد مشروعه الفكري: من يملك سلطة تحديد ما ينبغي أن يقال، ومن يحق له أن يتكلم، ومن يُطلب منه دائماً أن يصمت؟ فقد مات فوكو، لكن أسئلته لم تدخل المقبرة. وما تزال فرنسا التي تضع اسمه على واجهة الاحتفال تسمع صدى تلك الأسئلة في الشوارع، حيث لا تحتاج الفلسفة إلى إذن من أحد كي تستعيد صوتها.

شارك الخبر: