اللهجة الحسانية: رافد دستوري أصيل لا وافد، وتصحيح لمفهوم الهوية الوطنية لدى بعض البرلمانيين


هذا الخبر بعنوان "اللهجة الحسانية رافد دستوري وليست وافدا: عندما يجهل البرلماني مكونات الهوية الوطنية" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 28 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وجهة نظر أحمد بابا أهل عبيد الله 28 أكتوبر 2026 - 12:13
تساؤلات حول فهم بعض البرلمانيين لمكونات الهوية الوطنية المغربية، خاصة فيما يتعلق باللهجة الحسانية، حيث يصفها البعض بأنها خارج المكون الثقافي المغربي، لمجرد عدم فهمها أو الاعتقاد بأن المتحدثين بها ينتمون لبلد آخر. هذا الطرح، إذا صدر عن شخص عادي، قد يُلتمس له العذر لجهله أو لعدم إلمامه بهذه اللهجة بسبب التنوع المناطقي والثقافي الغني للمغرب. لكن صدور هذا الحكم من ممثل للشعب داخل المؤسسة التشريعية يستدعي إعادة نظر وتنظيم دورات تكوينية داخل البرلمان لشرح الهوية الثقافية الحسانية، التي يعترف بها الدستور المغربي كأحد الروافد الأساسية للهوية الوطنية الموحدة.
دستورياً وقانونياً، تتمتع اللغة الحسانية بمكانة خاصة في المغرب، فهي مكون أساسي من مكونات الهوية الثقافية الوطنية. يؤكد الفصل الخامس من دستور المملكة لسنة 2011 على أن الدولة تعمل على صيانة الحسانية كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية الموحدة. هذا المقتضى الدستوري يضع حماية الحسانية وتطويرها ضمن مسؤوليات الدولة الاستراتيجية، مما يرتقي بها من مجرد تداول شفهي محلي إلى مجال الحماية المؤسساتية وصون الذاكرة الثقافية الوطنية.
القانون التنظيمي رقم 16.04 المتعلق بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.34 بتاريخ 30 مارس 2020، يعد مرجعاً قانونياً مؤطراً للسياسة اللغوية والثقافية بالمغرب. يحدد هذا القانون الإطار المؤسساتي المعني بحماية الحسانية والتعبيرات الثقافية المغربية، من خلال إحداث هيئة خاصة بالحسانية تتولى مهام إعداد الآراء والتوصيات والمقترحات والدراسات والأبحاث، والمساهمة في جمع الموروث الثقافي الحساني وتصنيفه وتوثيقه ونشره. تمتد اختصاصات هذه الهيئة إلى اقتراح تدابير لحفظ الحسانية وصيانتها وتثمينها وإبراز قيمتها كجزء من الذاكرة الوطنية، بالإضافة إلى إجراء الدراسات والأبحاث العلمية المتعلقة بها. هذه المهام تؤسس لمسؤولية مؤسساتية واضحة في التعامل مع الحسانية كنظام لغوي وثقافي متكامل، يتطلب البحث العلمي والتأصيل والتطوير، وسياسات عمومية فعالة.
في المجال التربوي، يبرز القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي كمرجع أساسي لتوجيه السياسة التعليمية، مؤكداً على أهمية الأبعاد الثقافية والاجتماعية في بناء شخصية المتعلم. يهدف هذا التوجه إلى جعل المدرسة فضاء لنقل التراث الوطني وتثمين روافد الهوية المغربية، مع الانفتاح على الثقافات الإنسانية. من هذا المنطلق، تبرز مسألة إدماج الحسانية في المنظومة التعليمية كقضية تستحق معالجة تشريعية وتربوية واضحة، تأخذ في الاعتبار مكانتها الدستورية وخصوصيتها الثقافية واحتياجات الأجيال الصاعدة.
إن اللهجة الحسانية ليست بلداً آخر أو وطناً منفصلاً، بل هي هوية وعادات وثقافة صحراوية متجذرة في الإنسان الصحراوي، وهي رافد أصيل من روافد الثقافة المغربية وليست دخيلة. لها قواعدها وقصائدها وقصصها، وتنبع من أهل الكرم والجود الذين يحترمون ثقافة الآخرين ويحبون الاختلاف، لكنهم لا يقبلون التهميش أو الطمس في بلد يفتخر بتنوعه الثقافي. ندعو من يصفها بأنها “لهجة من دولة جارة” إلى زيارة مناطق الصحراء المغربية مثل كلميم، طانطان، آسا، طرفاية، العيون، السمارة، بوجدور، والداخلة، ليتعرف على معنى اللهجة والمتحدثين بها. عندها سيدرك قيمتها ويتحدث بها بطلاقة، لأن من ينطق بها بفهم هم أهل مروءة ومبدأ وشهامة وأخلاق.
في الختام، يقع على عاتق البرلماني واجب الحديث عن الإشكالات الحقيقية التي انتخب من أجلها، لا عن لهجة هي مكون أصيل من مكونات التنوع الثقافي المغربي ومحمية بالدستور والقانون. كان من الأجدى بالبرلماني المعني أن يبحث ويتعرف على اللهجة الحسانية، ولو لدقائق معدودة، لتجنب زلة القول بأنها “لهجة من دولة جارة”، ولأصبح برلمانياً مثقفاً قادراً على مواكبة التنوع الغني للبلاد. ننصح البرلماني بالانكباب على الاهتمامات الحقيقية التي انتخب من أجلها، كالقوانين والبرامج والدفاع عن قضايا المواطنين وحل إشكالاتهم. أما اللهجة الحسانية، فهي قائمة بذاتها، بمكوناتها وتاريخها المجيد، محصنة بالدستور، ومؤطرة بالقانون، ومحفوظة في وجدان الصحراويين، ولا تحتاج إلى تدقيق أو تفصيل ممن لا يفقه كنهها.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة