المغرب
سياسة

الشرق الأوسط في مفترق طرق: بين الردع الصامت وواقع الجيوسياسة المتغير

العمق المغربي29 أكتوبر 2026 في 09:180 مشاهدة
الشرق الأوسط في مفترق طرق: بين الردع الصامت وواقع الجيوسياسة المتغير

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تحولات الشرق الأوسط: بين فرضية الردع الصامت وكوابح الواقع الجيوسياسي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 29 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يشهد الشرق الأوسط وجنوب آسيا تحولات جيوسياسية عميقة تعيد تشكيل المشهد الإقليمي، متجاوزة الأطر التقليدية التي سادت في عصور القطبية الثنائية أو الأحادية الأمريكية. ويُعد الاجتماع الرباعي رفيع المستوى الذي عُقد في طهران بتاريخ 26 أكتوبر 2026، بين قادة “حلف مكة للدفاع المشترك” (المملكة العربية السعودية، تركيا، باكستان) والقيادة الإيرانية، دليلاً حياً على انتقال الدول من الاعتماد الأمني على القوى العظمى إلى مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي الذاتي”. تسعى هذه الورقة إلى تحليل هذا المشهد المعقد من خلال تطبيق نظريات العلاقات الدولية، مثل الواقعية الدفاعية والوظيفية الجديدة، على آليات عمل الحلف وتكامل تكتل البريكس، بهدف استشراف مآلات التوازن الإقليمي الجديد.

أولاً: فك رموز “حلف مكة” في ضوء الواقعية الدفاعية

من منظور عسكري تقليدي، يثير تشكيل تكتل دفاعي يضم قوة نووية كبرى (باكستان) وثاني أكبر جيش في حلف الناتو (تركيا) لمواجهة هجمات محدودة من جهة غير دولية كجماعة الحوثي، تساؤلات حول “عدم التناسب الاستراتيجي”. كما أن فرضية بناء هذا الحلف لمظلات دفاعية برية في السعودية لصد تهديدات ناتجة عن الصدام الأمريكي-الإيراني تبدو مستبعدة واقعياً، لأنها قد تدفع تركيا وباكستان للانحياز إلى الأجندة الأمريكية-الإسرائيلية، مما يشكل مخاطرة جيوسياسية داخلية وإقليمية قد تؤجج جبهات باكستان أو تقوض علاقات تركيا مع إيران.

تجد هذه المفارقة تفسيراً في نظرية “الواقعية الدفاعية” ومفهوم “التحوط الاستراتيجي وتوزيع المخاطر”. وبناءً على تحليلات “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي” حول سعي دول المنطقة لبناء أمن إقليمي مستقل، يمكن اعتبار هذا الحلف أداة دبلوماسية وسياسية أكثر منه عسكرية هجومية. فهو يمثل كتلة سياسية موازنة تمنح الرياض ظهيراً إقليمياً للتفاوض مع طهران بندية واستقلالية، بعيداً عن الاعتماد على المظلة الأمريكية المتقلبة. الهدف الاستراتيجي هو تجريد القوى الخارجية من ذريعة فرض الوصاية الأمنية وعسكرة الممرات المائية. الرسالة الموجهة لطهران، كما أشارت أوراق بحثية من معهد “سيتا” التركي، هي أن استقرار الخليج وتدفقات الطاقة خط أحمر تضمنه قوى إقليمية وازنة، مما يستدعي الانتقال نحو ترتيبات سلمية ودبلوماسية تديرها عواصم المنطقة بنفسها.

ثانياً: سيناريو التحالف الصامت وتحييد الاستراتيجيات الخارجية

ترتبط هذه التحركات الدبلوماسية بالصعود المتسارع لتكتل “البريكس”، الذي يضم الآن السعودية وإيران كعضوين بارزين. ورغم أن البريكس يُعرّف كمنصة اقتصادية ومالية، إلا أن دراسة تحليلية من معهد “أوريان 21” الفرنسي ترجح سعي التكتل لبناء “تحالف هيكلي غير رسمي”. يتجلى هذا في السلوك البراغماتي لتركيا؛ فبالرغم من عضويتها في حلف الناتو، لم تعد أنقرة تعتمد عليه كضمانة أمنية مطلقة، خاصة بعد الحرب الروسية-الأوكرانية. هذا التقييم، المعزز بخلافات مع أقطاب الناتو، دفع أنقرة للبحث عن شبكات أمان بديلة خارج المظلة الغربية.

هذا التحالف الصامت يتشكل عملياً عبر “التكامل التكنولوجي والدفاعي البيني”، وتوطين التكنولوجيا الحساسة، واعتماد مسارات تبادل مالي رقمية خارج منظومة الدولار ونظام “سويفت”. هذا السيناريو، في حال نضجه، قد يحصن الدول الأعضاء ضد الابتزاز أو الحصار الاقتصادي الغربي، ويعطل خطط واشنطن وتل أبيب لبناء أحلاف عسكرية موجهة أو “ناتو شرق أوسطي”.

ثالثاً: محددات عنصر الزمن بين “الامتداد الوظيفي” و”العقد الجغرافية”

يبقى “الزمن” المتغير الحاكم في هذه المعادلات. تتنافس فرضيتان لاستشراف المستقبل: الفرضية المتفائلة (نظرية الامتداد الوظيفي والترابط الهيكلي) ترى في نموذج الاتحاد الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، مدعوماً بمبادرة “الحزام والطريق” الصينية، أساساً لإنشاء مصلحة مادية حتمية تفرض الاستقرار. فالتشابك الاقتصادي اليومي، مع مرور الزمن، يخلق نخباً براغماتية تؤمن بأن التسامح وتجاوز العقد التاريخية يضمنان عائدات الرفاه والاستقرار التنموي المشترك.

أما الفرضية الواقعية الحذرة، فترى أن هذا التفاؤل يغفل حقائق الجغرافيا الصلبة والتنافس القومي المتجذر. فالشكوك الاستخباراتية والنزاعات الحدودية تظل كوابح بنيوية قوية. من هذا المنظور، تظل التكتلات الحالية مجرد “ممتص صدمات” ذكي لإدارة الأزمات العاجلة، دون القدرة على الوصول إلى مرحلة الاندماج الثقافي الشامل أو الحلف العسكري المفتوح.

خاتمة استراتيجية

لا يقدم المشهد الإقليمي المعقد اليوم إجابات قطعية، بل يضعنا أمام مسارات مفتوحة وصراع إرادات محكوم بالوقت. فإما أن تنجح القوى الإقليمية في كسب الوقت لتعميق اعتمادها المتبادل وتكريس نموذج استقرار قائم على التنمية والرفاه المشترك خارج لعبة المحاور الدولية، أو أن تستبق القوى الخارجية (واشنطن وتل أبيب) عامل الزمن عبر إشعال أزمات بينية جديدة أو فرض مواجهات عسكرية مبكرة تعيد خلط الأوراق وإرجاع المنطقة إلى مربع الارتهان الأمني التقليدي.

شارك الخبر: