أملاك الدولة تعترف بعجزها عن تنفيذ أحكام قضائية بمليارات الدراهم لملاك وادي مرتيل


هذا الخبر بعنوان "مليارات الدراهم تُعطل كلمة القضاء.. أملاك الدولة تقر بعدم تنفيذ أحكام تعويض ملاك وادي مرتيل" نشر أولاً على موقع اليوم 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 29 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أقرت مديرية أملاك الدولة، التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية، بعدم قدرتها على تنفيذ أحكام قضائية نهائية صدرت لصالح ملاك الأراضي التي تم نزع ملكيتها ضمن مشروع تهيئة سهل وادي مرتيل بتطوان. وتبرر المديرية هذا الموقف بالارتفاع الكبير في المبالغ المالية المحكوم بها، والتي تتجاوز ستة مليارات درهم، مما يثير تساؤلات قانونية ودستورية حول احترام الإدارة للمقررات القضائية الملزمة وحدود التزام الدولة بتنفيذ الأحكام الصادرة باسم جلالة الملك.
ويعتبر هذا الموقف، الذي يمكن وصفه بالامتناع عن تنفيذ الأحكام، إشكالية جدية حول ما إذا كانت الاعتبارات المالية والميزانياتية تبرر تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية النهائية، خاصة وأن الدستور المغربي يؤكد على إلزامية الأحكام النهائية للجميع ويمنع عرقلة تنفيذها. القضية بذلك تتجاوز مجرد نزاع حول التعويضات لتلامس مبدأ سيادة القانون وهيبة السلطة القضائية.
وكشفت المديرية، في ردها على مؤسسة وسيط المملكة بتاريخ 20 أكتوبر 2026، أن الأحكام القضائية المتعلقة بتعويضات نزع الملكية رفعت التكلفة المالية للمشروع بشكل كبير عن التقديرات الأولية. وأوضحت أن عدم القدرة على تسوية التعويضات التكميلية يعود إلى ارتفاع معدل سعر المتر المربع إلى 396 درهماً، مما نتج عنه فارق مالي يصل إلى 6.4 مليارات درهم، مقارنة بالمبلغ الأولي المقدر بـ550 مليون درهم.
ويكتسب هذا الاعتراف الرسمي أهمية خاصة، نظراً لأنه صادر عن إدارة عمومية يُفترض بها الالتزام بالأحكام القضائية النهائية. وتأتي هذه الواقعة في ظل تأكيدات سابقة من مديرية أملاك الدولة نفسها على ضرورة احترام حجية المقررات القضائية وتنفيذها كأحد مقومات دولة القانون.
تتجلى المفارقة في الخطاب المؤسساتي الداعي لاحترام الأحكام القضائية والممارسة الإدارية التي تكشف عنها هذه القضية. فمن حيث المبدأ، لا يمكن للقرارات الإدارية أو الإكراهات المالية أن تعلو على الأحكام القضائية النهائية الصادرة باسم الملك، وهو ما يؤكده الفصل 126 من الدستور الذي ينص على إلزامية الأحكام النهائية للجميع وضرورة مساعدة السلطات العمومية على تنفيذها.
ويكشف جواب مديرية أملاك الدولة عن حجم المأزق الذي تواجهه السلطات في تنفيذ الأحكام القضائية المرتبطة بالمشروع، حيث أصبحت التعويضات المقرة من المحاكم تفوق بكثير الميزانية الأولية. وتطرح ضخامة المبالغ المحكوم بها سؤالاً حول مشروعية اتخاذ الكلفة المالية ذريعة لتأجيل تنفيذ حقوق حسم فيها القضاء نهائياً.
وفي تبريرها لهذا التعثر، أشارت المديرية إلى أن تعبئة الموارد المالية الإضافية أصبحت تمثل تحدياً كبيراً يؤثر على مسار المشروع. وأكدت أن آليات التتبع تعمل على بلورة حلول واقعية تراعي المصلحة العامة ومتطلبات المشروع دون الإضرار بمصالح الملاك.
لكن جواب المديرية لم يتضمن جدولاً زمنياً محدداً لتنفيذ الأحكام أو الاعتمادات المالية الممكن تعبئتها، مما يثير تساؤلات حول الآجال التي سيضطر أصحاب الأراضي لانتظارها للحصول على مستحقاتهم، ومدى استمرار الإدارة في تأجيل التنفيذ دون تحديد أفق زمني واضح.
بالتوازي مع ذلك، تشهد المسارات القضائية تطورات أخرى، حيث بدأت محكمة النقض في إصدار قرارات تتعلق بمنازعات التعويض عن نزع الملكية في مشروع وادي مرتيل، انتهى بعضها إلى نقض القرارات المطعون فيها وإحالة الملفات على محاكم الاستئناف. ويبدو هذا التوجه مغايراً لما كان سائداً سابقاً، مما يفتح نقاشاً حول طبيعة التحول في معالجة محكمة النقض لهذه القضايا وانعكاساتها على الملفات القائمة.
يثير تزامن تعثر تنفيذ الأحكام مع صدور قرارات النقض والإحالة تساؤلات إضافية حول مستقبل النزاعات العقارية المرتبطة بالمشروع. فنقض قرار وإحالة الملف لا يعني المساس بالأحكام النهائية الصادرة في ملفات أخرى، ولا يعفي الإدارة من الالتزام بتنفيذ المقررات التي ما تزال حائزة لقوة الشيء المقضي به.
يأتي هذا التطور بعد أكثر من عام على إعلان وزارة الاقتصاد والمالية عن قرارها الشروع في تصفية ملف تعويضات نزع الملكية بمشروع وادي مرتيل، الذي تتجاوز قيمته ستة مليارات درهم، عبر تسوية تدريجية. ورغم تأكيدات سابقة حول وضع خطة لتصفية الملف، يكشف جواب مديرية أملاك الدولة الأخير أن الصعوبات المالية ما تزال قائمة دون وضوح لنتائج الوعود السابقة.
يعود مشروع تهيئة ضفتي وادي مرتيل إلى 20 أكتوبر 2015، حين أعطى الملك محمد السادس انطلاقة أشغاله بهدف إعادة تأهيل المنطقة وتثمين مؤهلاتها. استلزم المشروع نزع ملكية حوالي 1200 قطعة أرضية على مساحة 1600 هكتار، لكن عملية نزع الملكية تحولت إلى مصدر نزاع بشأن قيمة التعويضات.
لجأ العديد من الملاك إلى القضاء للطعن في التعويضات الأولية والمطالبة بإعادة تقييم أراضيهم، مما أدى إلى صدور أحكام قضائية رفعت المبالغ المستحقة. ويضع هذا الملف الدولة أمام اختبار حقيقي لمدى احترام الإدارة لسلطة القضاء، حيث أصبح الإشكال يتعلق بمدى إمكانية تمسك الإدارة بصعوبات التمويل لتبرير عدم تنفيذ أحكام قضائية نهائية، في وقت يظل فيه احترام حجية الأحكام وتنفيذها شرطاً أساسياً لحماية الحقوق وضمان الأمن القانوني.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد