خبراء: التحولات الإقليمية والتكنولوجية تعزز ميزانية الدفاع المغربية لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية


هذا الخبر بعنوان "خبراء: التحولات الإقليمية والتكنولوجية تفسر ارتفاع ميزانية الدفاع المغربية" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 31 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أكد خبراء في الشؤون الأمنية والاستراتيجية أن الزيادة الملحوظة في ميزانية الدفاع المغربية، التي ارتفعت من 157.17 مليار درهم عام 2026 إلى 190.5 مليار درهم في مشروع ميزانية 2027، لا تمثل مجرد زيادة رقمية، بل تعكس رؤية استراتيجية عميقة تهدف إلى تحقيق الاستقلالية الدفاعية. ويرى الشرقاوي الروداني، خبير في الدراسات الجيو-استراتيجية والأمنية، أن هذه الزيادة تعكس توجهاً استراتيجياً طويل الأمد يستجيب للتحولات المتسارعة في البيئة الأمنية، ويعزز الجاهزية العسكرية والتقدم في مجال الاستقلالية التكنولوجية لضمان حماية المصالح الحيوية للمغرب والتعامل مع التهديدات المحتملة. وأشار الروداني إلى أن هذا التوجه يتماشى مع رؤية الملك محمد السادس، القائد الأعلى رئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، لتطوير القدرات الدفاعية للمملكة، مستحضراً تأكيد الملك على أن تطوير القدرات الدفاعية يشكل “أولوية كبيرة وإحدى الركائز الأساسية للاستراتيجية المعتمدة”. وأوضح أن بناء القدرات الدفاعية يتطلب تحديث البنية العسكرية، وتطوير الكفاءات البشرية، ومواكبة التحولات الجيو-استراتيجية، والتخطيط الاستباقي، وتكامل مختلف مكونات المنظومة العسكرية.
وفي قراءته للخلفيات الاستراتيجية للزيادة المرتقبة في النفقات الدفاعية، أكد الروداني أن الموقع الجغرافي للمغرب يفرض التعامل مع متطلبات الأمن الوطني من منظور متعدد الأبعاد، نظراً لاستمرار التوترات في المنطقة المغاربية، وتصاعد المخاطر الأمنية في منطقة الساحل وجنوب الصحراء، واتساع المصالح الأطلسية والبحرية للمملكة. وأضاف أن هذه المعطيات تجعل المحافظة على توازن ردعي موثوق ضرورة استراتيجية، ليس للانخراط في سباق تسلح، بل لضمان قدرة القوات المسلحة الملكية على حماية المصالح الحيوية واحتواء احتمالات التصعيد ومنع فرض وقائع عسكرية أو سياسية تمس سيادة المملكة.
من جهته، اعتبر الخبير العسكري عبد الرحمان مكاوي أن ارتفاع ميزانية الدفاع للسنة المالية 2027 تحكمه أسباب موضوعية وخيارات استراتيجية للمملكة، في ظل الاضطرابات والنزاعات والتوترات العالمية التي قد تؤثر على المصالح المغربية. وأشار مكاوي إلى أن شمال إفريقيا والشرق الأوسط يواجهان تحولات أمنية متسارعة، بما في ذلك التوترات المرتبطة بإيران والولايات المتحدة الأمريكية، ومحاولات إعادة تشكيل النفوذ الجيو-سياسي في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي. وأضاف أن هذه التطورات تتقاطع مع النزاعات والتوترات في مناطق مثل إثيوبيا والصومال، وتمتد التحديات إلى أمن الممرات البحرية والتجارية، نظراً لأهمية قناة السويس ومضيق جبل طارق. وأكد أن هذه المعطيات تفرض على المغرب تعزيز قدراته الدفاعية والبحرية، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي وإطلالته على واجهتين بحريتين.
وفيما يتعلق بالتحولات في الجيوش الحديثة، شدد الروداني على أن النزاعات المسلحة الأخيرة أظهرت أن التفوق العسكري لم يعد مرتبطاً بالمنصات القتالية وحدها، بل بالقدرة على الربط الفوري بين الاستطلاع والاستخبارات والقيادة والسيطرة والنيران الدقيقة. وأوضح أهمية تطوير منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (C4ISR)، وأنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات، والحرب الإلكترونية، والطائرات غير المأهولة. وأضاف أن تكامل هذه المنظومات يقلل المدة الفاصلة بين رصد التهديد واتخاذ القرار، ويعزز التنسيق بين مختلف مكونات القوات المسلحة. كما لفت إلى أن الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني أصبحا عنصرين أساسيين في التفوق العسكري.
وأشار مكاوي إلى أن ارتفاع تكلفة الأسلحة الحديثة يرتبط بالتطور التكنولوجي المتسارع في الصناعة العسكرية، حيث تعتمد الأنظمة القتالية على تطبيقات وخوارزميات متقدمة. وأكد أن هذا يجعل الاستثمار في الدفاع أكثر كلفة، ليس فقط بسبب أسعار المعدات، بل أيضاً للحاجة إلى تحديثها المستمر، وتوفير قطع الغيار، وتأهيل الموارد البشرية. كما توقف عند الكلفة المرتفعة لسوق الأسلحة، موضحاً أن الإنفاق الدفاعي يشمل شراء المعدات، والذخائر، وقطع الغيار، والصيانة الدورية، والتحديث المستمر. وأشار إلى أن طبيعة التضاريس والظروف المناخية تؤثر على نفقات الصيانة، وأن الطائرات والمعدات الجوية والبرية والبحرية تحتاج إلى صيانة منتظمة. وأكد أن هذه النفقات جزء أساسي من كلفة امتلاك السلاح.
وفي المجال البحري، أشار مكاوي إلى أهمية تطوير القدرات البحرية المغربية، نظراً للتحولات في المصالح الاستراتيجية للمملكة. ولفت إلى أن اقتناء الفرقاطات والزوارق المسيرة والأنظمة البحرية ومعدات الدفاع الجوي لحماية المجال البحري يتطلب استثمارات مهمة، نظراً للتعقيد التكنولوجي وارتفاع كلفة تشغيلها وصيانتها.
وبموازاة تحديث الترسانة العسكرية، اعتبر الروداني أن توطين الصناعة الدفاعية يمثل محوراً أساسياً في التوجه المغربي نحو تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، مستحضراً تأكيد الملك محمد السادس على أهمية مواصلة دعم هذا الورش. وأوضح أن أهمية التصنيع الدفاعي المحلي لا تقتصر على إنتاج المعدات، بل تشمل تأمين سلاسل الإمداد، والتحكم في عمليات الصيانة والتحديث، وبناء قاعدة هندسية وطنية لتقليص الاعتماد على الموردين الخارجيين. وأضاف أن استدامة القدرة القتالية خلال الأزمات الطويلة معيار حاسم للاستقلال العسكري.
وأكد مكاوي أن المغرب يجمع بين اقتناء تجهيزات متقدمة، والاستثمار في التكوين، وتطوير التصنيع الدفاعي. وأشار إلى انخراط شركات من دول مختلفة في برامج الصناعة الدفاعية ونقل التكنولوجيا. واعتبر أن تحويل التكنولوجيا وتطوير القدرة المحلية يتطلبان استثمارات كبيرة وكفاءات مؤهلة، وأن بناء صناعة دفاعية متقدمة مسار تراكمي.
وأبرز الروداني أن الشراكات الدفاعية الدولية يجب أن تشمل نقل التكنولوجيا والتكوين وتعزيز قابلية التشغيل البيني. وأشار إلى أهمية خارطة الطريق الدفاعية الجديدة مع الولايات المتحدة للفترة 2026-2036، معتبراً أن مثل هذه الشراكات تتيح فرصاً لتطوير القدرات وتبادل الخبرات. وأضاف أن مشاركة المغرب في المناورات العسكرية مثل “الأسد الإفريقي” و”أوريون” تبرز الحاجة إلى تطوير منظومات متوافقة مع أنظمة القوات المشاركة.
وخلص الروداني إلى أن الأهمية الاستراتيجية للاعتمادات الدفاعية لسنة 2027 ستتحدد بمدى قدرتها على تعزيز السيادة العملياتية للمملكة، أي امتلاك وسائل الردع والتحكم في شروط تشغيلها وصيانتها، بما يضمن حرية اتخاذ القرار وإدارة الأزمات دون إكراهات خارجية. وأكد أن متطلبات الدفاع خلال العقد المقبل ترتبط ببناء منظومة متكاملة قادرة على استباق التهديدات، والمحافظة على توازن الردع، وتأمين المصالح الوطنية في محيط جيو-سياسي متغير. وأكد أن المحافظة على السلم الإقليمي تقتضي الجمع بين الدبلوماسية والقدرة الدفاعية الموثوقة.
وأشار مكاوي إلى أن الزيادة في النفقات العسكرية المغربية تندرج ضمن سياق إقليمي يتسم بارتفاع كلفة التسلح، مستحضراً رصد الجزائر اعتمادات تبلغ 27 مليار دولار للسنة المالية 2027. واعتبر أن تطور الإنفاق العسكري في المنطقة يرتبط بتحولات جيو-استراتيجية وارتفاع أسعار المعدات والتكنولوجيا الدفاعية. وأوضح أن التحول نحو الأسلحة الذكية والأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي يضيف أعباء مالية جديدة، وأن القدرات العسكرية تقاس بتطورها التكنولوجي وقدرتها على تبادل المعلومات والاستجابة السريعة.
وخلص الخبيران إلى أن الرهان المغربي مرتبط بمدى نجاح المملكة في الجمع بين تحديث القوات المسلحة، وتطوير الصناعة الدفاعية، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وتعزيز الشراكات الدولية، مع الحفاظ على استقلالية القرار الاستراتيجي وحماية السيادة والوحدة الترابية.
سياسة
سياسة
اقتصاد
سياسة