المغرب
ثقافة

الشيخة والشيخ: مقارنة بين الفرح الشعبي والتصوف الروحي في الأداء الجسدي

هسبريس16 أكتوبر 2026 في 03:400 مشاهدة
الشيخة والشيخ: مقارنة بين الفرح الشعبي والتصوف الروحي في الأداء الجسدي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الشّيخَة والشّيخ" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 23 غشت 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في عالم الأعراس، تدخل الشيخة إلى الساحة مدركةً تمامًا لتوقعات الجمهور. تضرب الدفوف، يئن الكمان، ويتحدى الخصر هندسة الجسد، بينما تتوزع النظرات بين التصفيق العلني والمراقبة الخفية، خشية أن يضبط الوقار الفرح. تهز الشيخة كتفيها، تدور، ترفع يدها، وترمي بابتسامة محسوبة، فيندفع أحدهم للصق ورقة نقدية على جبينها، كأنه يمنحها وسامًا وطنيًا للفن الشعبي. لا أحد يشكك في طبيعة ما يحدث؛ إنها رقصة لها إيقاعها، حركاتها، جمهورها، أجرها، وفرجتها الصريحة. لا تدعي الشيخة أنها جاءت لإنقاذ الأمة، ولا تزعم أن دورانها مشروع إصلاح اجتماعي؛ جاءت لترقص، والناس جاءوا ليتفرجوا، والصفقة واضحة تبعث على الاحترام.

حين تتحول الرقصة إلى "حال"، ثم يأتي الموسم، تتغير الملابس وتبقى أشياء كثيرة كما هي. تدخل جماعة الشيوخ وسط الغبار والخيول والخيام والباعة وروائح الشواء. الجلابيب أوسع، اللحى أطول، الوجوه أكثر جدية، والنظرات توحي بأن البشرية كلها تنتظر من هذه الحلقة قرارًا مصيريًا. تبدأ الأكتاف في الاهتزاز، تتحرك الرؤوس يمينًا ويسارًا، ترتفع الأيدي، تتسارع الخطوات، يدور الرجال حول مركز غير مرئي، ويعلو الصياح كلما اشتد الإيقاع. واحد يقفز، آخر ينحني، ثالث يدور حتى تكاد عمامته تسبق رأسه، ورابع يغلق عينيه ويرفع ذقنه إلى السماء كأن جوابًا عاجلًا وصل إليه مباشرة من الغيب.

الفرق أن الشيخة، حين تهتز، لا تطلب منك تسمية اهتزازها "حالًا"؛ وحين تدور لا تضع أمام الدوران حاشية لغوية ترفعه من الحركة إلى المقام، وحين تصرخ لا يحتاج أحد إلى لجنة من المفسرين ليشرح أن الصرخة تجاوزت حدود الحنجرة وأصبحت كشفًا. في العرس، يهتز الجسد فيسمونه رقصًا. وفي الموسم، يهتز الجسد نفسه، فتبدأ عملية إعادة الهيكلة اللغوية: هذا ذكر، وهذا جذب، وهذه بركة، وهذا رجل "أخذته الحضرة"، وكأن اللغة نفسها مكلفة بحراسة الهيبة. الشيخة تهز رأسها فيقولون: تتمايل. الشيخ يهز رأسه بالطريقة نفسها فيقولون: دخل في الوجد. تدور الشيخة فيصفق الناس. يدور الشيخ فيفتح بعضهم فمه إعجابًا وكأن قوانين الجاذبية توقفت لحظة احترامًا له. تتصبب الشيخة عرقًا لأن الرقصة طويلة. يتصبب الشيخ عرقًا فتبدأ التأويلات: حرارة الروح، قوة الحال، ثقل السر، فيض البركة؛ حتى العرق يحصل على ترقية اجتماعية حين ينزل من جبين شيخ.

بين الأجر والنذر توجد في العرس أوراق نقدية. يخرج الرجل ماله، يقترب من الشيخة، يمنحها لها من غير فلسفة كثيرة. في الموسم تتغير طريقة الدفع فقط، تظهر الصدقات والهبات والذبائح والنذور، ويصبح المال أكثر وقارًا لأنه دخل جيبًا يحيط به الدعاء. والجمهور في الحالتين يلعب دوره بإتقان: في العرس يصرخ أحدهم: "زيدي!". في الموسم يصرخ آخر: "الله!". أما المعنى العملي فمتقارب جدًا: استمروا، نحن مستمتعون.

ثم تأتي المفارقة الكبرى حين يخرج بعض رجال الموسم من الحلقة ليحاكموا أخلاق العرس. يتحدثون عن تمايل النساء، وعن الفتنة، وعن ضياع الحياء، بينما لا تزال أكتافهم ساخنة من اهتزاز دام نصف ساعة، ولا يزال واحد منهم يحاول استعادة توازنه بعد دوران كان سيؤهل الشيخة المحترفة لفقرة ختامية ممتازة. لا يعرف الجسد المسكين كل هذه التصنيفات؛ ولا يعرف أن اهتزاز الكتف في قاعة الأعراس قد يصبح خفة، وأن الحركة نفسها قرب ضريح قد تحصل على شهادة حسن سلوك. لا يعرف أن دوران امرأة يمكن أن يثير خطبة كاملة عن الأخلاق، وأن دوران رجل ملتحٍ يمكن أن يثير خطبة كاملة عن الصفاء. يتحرك الجسد فقط. المجتمع هو الذي يضع العمامة على حركة، ويضع اللوم على حركة أخرى. لهذا تبدو الشيخة في نهاية الأمر أكثر وضوحًا من كثير من الشيوخ. هي لا تخفي الرقص وراء قاموس ضخم. لا تحتاج إلى استدعاء الغيب لتبرر حركة قدم، ولا تحول الإيقاع إلى عقيدة ولا التصفيق إلى كرامة. تدخل، تغني، ترقص، تأخذ أجرها، وتنصرف. أما الشيخ في بعض المواسم فيبدأ من حركة كتف، ثم يترك الجمهور يبني فوقها عمارة كاملة من الرموز والأسرار والبركات، حتى إذا اكتملت العمارة نسي الجميع أن الحكاية بدأت برجل يهز كتفيه على وقع الطبل. الحركة نفسها… والهالة لمن؟ ربما لهذا يستحق المشهدان أن يوضعا جنبًا إلى جنب، ليس للسخرية من الفرح، ولا من الذكر، ولا من تراث الناس. إنما للسخرية من تلك العبقرية الاجتماعية التي تستطيع أن ترى الحركة نفسها مرتين، ثم تمنحها في المرة الأولى تهمة، وفي المرة الثانية هالة. لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

شارك الخبر: