نظام قانوني جديد للموظف الطالب: نحو توازن بين العمل والدراسة


هذا الخبر بعنوان "نحو نظام قانوني للموظف الطالب" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 28 غشت 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار قرار الجامعات المغربية بفرض رسوم على التكوينات المقدمة في إطار التوقيت الميسر جدلاً واسعاً، حيث يرى العديد من الموظفين أن هذا الإجراء يتعارض مع مبدأ مجانية التعليم العالي. يعترض هؤلاء الموظفون على دفع مقابل مالي لمتابعة دراستهم خارج أوقات العمل، مؤكدين أن الجامعة العمومية يجب أن تظل متاحة لهم مجاناً.
لكن هذا النقاش، رغم أهميته، يغفل عن مطلب جوهري يسبق مسألة الرسوم والتوقيت، وهو حق الموظف في أن توفر له جهة عمله الظروف المهنية الملائمة لمتابعة دراسته. فبينما تركز الاحتجاجات على مطالبة الجامعة بتكييف زمن التكوين مع زمن العمل، تبقى الإدارة أو المقاولة، وهما الجهتان المنظمتان لوقت الموظف، خارج دائرة المساءلة. إن مجرد رفض التوقيت الميسر المدفوع لا يكفي لحل المشكلة. فمن حق الموظف الالتحاق بالتعليم الجامعي المجاني إذا استوفى الشروط الأكاديمية، لكن تحقيق هذا الحق يصبح صعباً إذا كان ملزماً بالحضور إلى مقر عمله في نفس الأوقات. لذلك، يجب أن يقترن الدفاع عن المجانية بالدفاع عن حق الموظف في تكييف وقت العمل، والحصول على رخص للدراسة والامتحانات، وإجازة تعليمية عند الحاجة. ومن هنا تنبع ضرورة التفكير في نظام قانوني للموظف الطالب، ينقل النقاش من مجرد الاعتراض على مقترحات الجامعة إلى مساءلة التشريعات المنظمة للعمل والوظيفة العمومية حول الوسائل المتاحة للجمع بين الدراسة والعمل.
لم يكن موضوع متابعة الموظفين للدراسة غائباً عن الممارسات الإدارية في المغرب. فقد صدرت منذ عقود مناشير حاولت تنظيم حضور الموظفين للدروس خلال ساعات العمل، مع ربط ذلك بموافقة الإدارة ومراعاة مصلحة المرفق. لاحقاً، تم إلغاء شرط ترخيص الإدارة للتسجيل في الجامعة، تأكيداً لحق الموظف كمواطن في الولوج إلى التعليم العالي وفق الشروط الأكاديمية. إلا أن تحرير التسجيل من موافقة الإدارة لم يؤد إلى بناء نظام متكامل يسمح للموظف بحضور الدروس. فقد أصبح من حقه التسجيل، لكنه لم يحصل على مركز قانوني واضح تجاه مشغله. وظلت الاستفادة من التسهيلات مرتبطة بالممارسات الداخلية لكل إدارة، وبالترخيص الفردي، وبمدى استعداد المسؤول لتكييف وقت العمل. كما أن نظام الوظيفة العمومية، رغم إقراره أنواعاً مختلفة من الرخص، لا يقدم صيغة دراسية متكاملة تناسب تكويناً يمتد على فصل أو سنة أو عدة سنوات. وفي القطاع الخاص، يظل حق الأجير في التغيب لاجتياز الامتحان محدوداً إذا لم تواكبه إمكانية حضور الدروس أو تكييف الوردية أو الاستفادة من إجازة تعليمية. ويؤدي هذا الفراغ القانوني إلى تفاوت بين الموظفين والعمال، حيث قد يستفيد البعض من تسهيلات واسعة، بينما يواجه آخرون الرفض رغم تشابه أوضاعهم. كما يدفع هذا الغموض الجامعة، في بعض الحالات، إلى تحمل نتائج التعارض بين زمن العمل وزمن الدراسة، من خلال التساهل في الحضور والآجال والتقييم، مع أن معالجة هذا التعارض يجب أن تبدأ داخل علاقة الموظف بمشغله.
تظهر التجارب المقارنة أن وضعية الموظف الطالب يمكن تنظيمها من خلال نماذج متعددة، لا تجعل الجامعة الطرف الوحيد المسؤول عن تيسير الدراسة. ففي بعض الدول، يقوم النظام على تكييف وقت العمل، من خلال منح الموظف أو الأجير أولوية في اختيار الجدول أو الوردية المناسبة، وتمكينه من رخص لحضور بعض الدروس واجتياز الاختبارات. يقوم هذا النموذج على إدخال المرونة إلى علاقة العمل بدل مطالبة الجامعة بتغيير تنظيمها أو تخفيف متطلباتها. وتعتمد دول أخرى رصيداً سنوياً من الساعات المخصصة للتكوين، يسمح للأجير بالتغيب لمتابعة دراسة معترف بها، مع استمرار الأجر في بعض الحالات وتعويض المشغل عن جزء من الكلفة. كما توجد أنظمة تسمح بإجازة دراسية جزئية أو كاملة، تمكن العامل من التفرغ المؤقت للتكوين مع الحفاظ على وظيفته وإمكان العودة إليها. وتقدم بعض التجارب المغاربية بدورها صيغاً تسمح للموظف بالاستفادة من رصيد أسبوعي لمتابعة دراسة مرتبطة بنشاطه المهني، مع مراعاة حاجيات المرفق. وتبين هذه النماذج أن التوفيق بين العمل والدراسة لا ينبغي أن يُترك للتساهل الشخصي، بل يُنظم بحقوق محددة تقابلها التزامات واضحة. ولا تعني هذه التجارب منح الموظف حقاً مطلقاً في التغيب. فاستفادة ترتبط عادة بإثبات التسجيل والمواظبة والتقدم في الدراسة، كما تراعي طبيعة العمل وعدد المستفيدين وقدرة المرفق أو المقاولة على الاستمرار في أداء مهامهما. وفي هذا السياق، يمكن للمغرب أن يستفيد من هذه التجارب من خلال إقرار وضع قانوني خاص بالموظف الطالب، يشمل الموظف العمومي والأجير في القطاع الخاص، مع مراعاة خصوصية كل قطاع. يفترض أن يخول هذا النظام إمكان تكييف وقت العمل، واختيار الوردية الملائمة متى كان ذلك ممكناً، والاستفادة من رخص لحضور الأنشطة الدراسية الأساسية واجتياز الامتحانات والمناقشات. كما يمكن أن يتيح إجازة دراسية جزئية أو كاملة بالنسبة للتكوينات التي تستلزم تفرغاً أكبر. إن المطالبة بمجانية التكوين العادي تظل ناقصة إذا لم تقترن بالمطالبة بالشروط المهنية التي تجعل هذه المجانية قابلة للاستفادة فعلياً. فمن يرفض أداء رسوم التوقيت الميسر ينبغي ألا يكتفي بمساءلة الجامعة، بل عليه أن يطالب مشغله بالمرونة التي تسمح له بمتابعة الدراسة العادية. وبذلك يصبح إقرار نظام قانوني للموظف الطالب استكمالاً ضرورياً للنقاش حول التوقيت الميسر. فالمطلوب ليس تخيير الموظف بين أداء الرسوم والتخلي عن الدراسة، وإنما تمكينه من بديل حقيقي: جامعة تحافظ على مجانية تكوينها العادي وجودته، ومشغل ييسر الدراسة وفق ضوابط واضحة، وموظف يتحمل بجدية التزاماته الأكاديمية والمهنية.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة