أزمة الأحزاب المغربية: من استغلال خيبة الأمل الشعبية إلى ترسيخ


هذا الخبر بعنوان "الأعيان وأزمة الأحزاب: من استثمار العزوف الشعبي إلى مأسسة “الفيتو” السيادي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 5 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وجهة نظر سلمى قريش
5 سبتمبر 2026 - 15:35
مع اقتراب المشهد السياسي من منعطف حاسم يمهد لانتخابات 2026، تشهد الممارسة الديمقراطية وتنافسيتها تغيرات جذرية ومثيرة للانتباه. بدلاً من استثمار هذه المرحلة في إثراء النقاش العام وتقييم الحصيلة التشريعية والحكومية، وطرح البدائل والبرامج المجتمعية، انزلقت الدينامية الحزبية نحو صراعات الكواليس وتطاحنات خفية حول المناصب واجتذاب المرشحين. لم يعد مصطلح التطاحن على التزكيات يعكس عمق الأزمة، بل نشهد مواجهات طاحنة داخل الكيانات الحزبية نفسها قبل أن تندلع بينها. لقد طغى التساؤل المصلحي الضيق: من هو واجهة الحزب القادرة على حصد الأصوات؟ على حساب التساؤل الجوهري: ما هو مشروع الحزب وماذا يقدم للمجتمع؟
هذا التحول يفرض مقاربة تحليلية تتجاوز الخطابات الاستهلاكية حول عزوف الشباب، لنقرأ كيف نجح الفاعل الحزبي، بوعي تام، في اغتيال القاعدة الدستورية، محولاً التنظيم السياسي من مؤسسة للوساطة والتأطير إلى مجرد وعاء انتخابي فارغ، ومجبراً المجتمع على ممارسة سيادته الدستورية من خارج النص والمؤسسات.
تكشف القراءة المتفحصة للوثيقة الدستورية، وخاصة متطلبات الفصل السابع، عن مفارقة مرعبة. فالمشرع أناط بالأحزاب وظيفة احتكارية حصرية تتمثل في تأطير المواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الشأن العام. لكن العقل الحزبي، ببراغماتيته المتوحشة، قرر ارتكاب انتحار معياري طوعي. أدركت القيادات الحزبية أن معركة الأفكار وتأطير الجماهير عملية مكلفة ومجهدة، فقررت التخلص من عبء بناء الشرعية الديمقراطية واستبدالها بالمشروعية الإجرائية الباردة التي تضمن البقاء في دائرة الضوء بأقل جهد ممكن. هذا التحلل من الالتزام الدستوري ليس تفصيلاً تنظيمياً عابراً، بل هو تفريغ ممنهج ومتعمد للسياسة من محتواها النبيل.
لقد انتقلنا تدريجياً من وضع كان يُفترض أن يكون فيه الحزب هو الإطار الذي يصنع المرشح ويصقله ويمنحه هويته الإيديولوجية، إلى واقع مشوه أصبح فيه المرشح “القوي انتخابياً” هو من يملي شروطه على التنظيم. لم يعد المرشح يطرق باب الحزب إيماناً بمبادئه، بل أصبحت الأحزاب هي من تتسول المرشح الجاهز الذي يضمن لها مقعداً برلمانياً وحصة من التمويل العمومي. في هذه المعادلة البئيسة، يكتفي الحزب بتقديم “التزكية” والغطاء القانوني، بينما يقدم المرشح شبكته الانتخابية المحلية وموارده المالية، في أبشع أشكال المقايضة التي تلغي قيمة الانتماء والنضال لصالح حسابات الموقع والغنيمة.
لضمان استمرار دوران هذه الآلة العبثية التي تقتات على المقاعد، توجب على الأحزاب اللجوء المكثف إلى فئة الأعيان. هذه الفئة تجسد انتصار رأس المال المادي والعلاقات الزبونية على الفكرة والمشروع. هذا التوجه الخطير كرس ظاهرة ما يُعرف بـ “الميركاتو السياسي” أو الترحال الانتهازي، والذي لم يعد مجرد انتقال فردي لمعارضين أو غاضبين، بل أصبح دلالة قاطعة على أن المعيار السياسي والأخلاقي قد تراجع كلياً لصالح المعيار الانتخابي الصرف والولاء لمن يدفع أكثر. في هذا السوق المفتوح والخالي من أي ضوابط أيديولوجية، تتخلى الأحزاب بدم بارد عن مناضليها الحقيقيين وشبابها المتدرج في هياكلها، لتستورد كائنات انتخابية جاهزة تمتلك القدرة على التعبئة القبلية والمالية. وحين تمنح القيادات التزكية لهذا “المرشح العين”، فهي لا تمنحه مقعداً فحسب، بل تشرعن عملية استحواذ عدائي على الفضاء العام والمؤسساتي. والأخطر في هذه الدينامية، أن سلطة هذا الوافد الجديد، المدعوم بماله وعصبته، تصبح أقوى وأكثر نفاذاً من سلطة المؤسسة الحزبية ذاتها، مما يفقد التنظيمات أي قدرة على فرض الانضباط، أو إلزام مرشحيها بأي معايير سياسية أو أخلاقية، ناهيك عن الالتزام بالبرنامج الحزبي (إن وُجد).
يزداد المشهد قتامة وتعقيداً عندما يصبح المال هو السيد المطلق والمحرك الأوحد لهذه المعادلة، متجاوزاً المفهوم الكلاسيكي لتمويل الحملات الانتخابية لينحدر إلى مستنقع شراء التزكيات والمتاجرة بالمواقع. وتبرز هنا قضية اللوائح الجهوية، وخاصة تلك المخصصة للنساء والشباب، كأوضح تجلٍ وأكثره فجاجة لهذا الانحراف المؤسساتي. هذه الآلية التشريعية، التي صُممت في الأصل كتمييز إيجابي يهدف إلى تصحيح اختلال تاريخي وتطعيم المؤسسة التشريعية بكفاءات نسائية وشبابية جديدة، تحولت في غمرة هذه الفوضى التنظيمية إلى فضاء مغلق لتصفية الحسابات الداخلية والمتاجرة الرخيصة. إن تحويل التنافس على رأس هذه اللوائح إلى مجال لتحقيق مكاسب مالية لبعض المتنفذين داخل الأحزاب، أو لتوريث المقاعد للمقربين والعائلات، يعني انتقالاً خطيراً من مجرد الاستفادة من ريع المقاعد إلى مأسسة ريع التزكيات. وهو ما ينسف الفلسفة النبيلة لهذه الآلية من أساسها، محولاً إياها إلى شكل من أشكال التمييز السلبي الذي يعيد إنتاج الزبونية، الإقصاء، والولاءات الشخصية تحت غطاء نسوي وقانوني زائف.
إن الملاحظة الأبرز والأكثر إثارة للقلق في المشهد السياسي الحالي هي أن زخم الصراع حول الأشخاص، المواقع، والغنائم الانتخابية أقوى بكثير من الصراع حول الأفكار والسياسات العامة. فالمواطن الذي يكتوي بنار التضخم، وينتظر أجوبة مقنعة حول أزمات الصحة، التعليم، تدهور القدرة الشرائية، ومستقبل مشروع الدولة الاجتماعية، يجد نفسه محاصراً يومياً بأخبار الاستقالات، الانتقالات الحزبية والمشادات الكلامية حول تنازع الشرعيات التنظيمية. هذا التفريغ الممنهج للسياسة من روحها البرامجية وقدرتها على اقتراح الحلول، ترك الساحة فارغة تماماً لزحف التكنوقراط. ففي ظل أحزاب ضعيفة ومكتفية بلعب دور الوكيل الانتخابي أو “الكومبارس” لتأثيث المشهد، تتمدد الإدارة التكنوقراطية لتملأ الفراغ الاستراتيجي، مبررة استحواذها المتزايد على مراكز القرار بـذريعة نجاعة الإنجاز والكفاءة التقنية بعيداً عن ضجيج السياسيين. هكذا يكتمل المشهد السريالي: أحزاب بلا سياسة فعلية، أعيان يُشرّعون لحماية احتكاراتهم ومصالحهم الخاصة، وتكنوقراط يحكمون ويوجهون السياسات الكبرى من خارج شرعية الصناديق والمحاسبة الشعبية.
أمام هذه الهندسة المغلقة التي تعيد إنتاج نفس الوجوه والسياسات، تُشهر النخب السياسية المستفيدة ورقة عزوف الشباب كتهمة جاهزة لتبرير إفلاسها وضعف جاذبيتها. لكن القراءة السوسيولوجية والسياسية العميقة تظهر حقيقة مغايرة تماماً: الشباب المغربي لم ينسحب من الاهتمام بالشأن العام، بل انسحب من المسلخ المؤسساتي الذي يصادر صوته. كيف يمكن لأي عاقل أن يطلب من جيل يمتلك وعياً حاداً بتناقضات النسق، وموصولاً بتدفق المعلومات، أن يشارك في مهزلة إعادة تدوير النخب الفاشلة؟ إن المواطن حين يراقب مرشحين يغيرون قمصانهم الحزبية بين ليلة وضحاها وفق حسابات مصلحية ضيقة دون أي خجل سياسي، تتأسس لديه قناعة راسخة بأن السياسة الممارسة هنا لا علاقة لها بالبرامج أو المصلحة العامة. لذلك، لم يعد الامتناع عن التصويت مجرد كسل أو لامبالاة، بل ارتقى ليصبح مقاطعة الصناديق “فيتو سيادياً”؛ ففي نظام مصمم بنيوياً لإقصائك وتهميش إرادتك، يصبح اللافعل (عدم التصويت) هو الفعل الراديكالي الأسمى للتعبير عن رفض التواطؤ في إضفاء الشرعية على بنية سياسية متكلسة. وقد وجد هذا الجيل التواق للتغيير بديله في الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، مؤسساً لديمقراطية مباشرة وتشاركية، تقود حملات المقاطعة وتفضح الاختلالات، وهي ديمقراطية ترعب الأعيان وتزعج التكنوقراط لأنها عصية على التدجين، الشراء، ومنح التزكيات.
إن التوقف عند حدود التشخيص، مهما بلغ عمقه ودقته، يظل ترفاً فكرياً لا يسعف في إنقاذ الممارسة الديمقراطية من سكتتها القلبية الوشيكة. لتجاوز هذه المآزق البنيوية، وتفادي الوصول إلى نقطة القطيعة الراديكالية التي تنذر بها مؤشرات العزوف المتصاعدة، بات من الملحّ جداً الانتقال من المقاربات الوعظية والترقيعية إلى هندسة تدخلات جراحية، قانونية ومؤسساتية، تعيد صياغة قواعد اللعبة من الصفر:
إن البرلمان القادم، إذا ما استمرت نفس الدينامية الحالية وتكررت نفس الممارسات، لن يكون سوى مجرد تجمع باهت لـمقاولات انتخابية متفرقة لا يجمعها أي خيط إيديولوجي ناظم أو رؤية سياسية مشتركة. برلمان بهذا الضعف البنيوي سيجعل الأحزاب أضعف بكثير من أن تواجه تغول الإدارة التكنوقراطية، وسيحول المؤسسة التشريعية إلى مجرد غرفة تسجيل للقرارات الجاهزة. لذا، فلنوقف فوراً هذه المسرحية البكائية المفتعلة حول العزوف؛ فكل الحلول القانونية لضبط ظاهرة الترحال ستبقى قاصرة ومجرد مساحيق تجميل، ما لم تسترجع الأحزاب وعيها بوظيفتها كمدرسة للتأطير المجتمعي وليس كوكالة سمسرة للبحث عن المقاعد. إن السؤال المرعب الذي يجب أن يواجه به الفاعل الحزبي نفسه اليوم، وهو ينظر في المرآة، ليس: كيف نجر الشباب إلى صناديق الاقتراع بأي ثمن؟، بل الأحرى أن يسأل نفسه ببرودة قاسية: هل تملك قيادات اليوم الشجاعة السياسية والتاريخية لتنظيف بيتها الداخلي والتخلي عن امتيازاتها، قبل أن تقرر هذه الأجيال الغاضبة كسر حالة الصمت، والانتقال نحو قطيعة نهائية تنهي صلاحية هذه المؤسسات برمتها إلى غير رجعة؟
* سلمى قريش، طالبة ماستر تخصص الدراسات الدستورية والسياسية والإدارية
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة