المغرب
ثقافة

لمشاهب: قصة ظاهرة غيوانية خالدة من ذاكرة الموسيقى المغربية

العمق المغربي15 أكتوبر 2026 في 03:160 مشاهدة
لمشاهب: قصة ظاهرة غيوانية خالدة من ذاكرة الموسيقى المغربية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من ذاكرة الظاهرة الغيوا نية الخالدة؛ مجموعة لمشاهب نموذجا" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 6 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

منذ أقدم العصور، أدركت الحضارات القديمة في الهند واليونان ومصر والصين التأثير العلاجي للموسيقى وأهمية الفنون في حياة الإنسان. لم تكن الفنون بمعزل عن نواحي الحياة الجماعية، حيث تزين المسارح ودور الفن المدن القديمة، مؤكدة دورها في تهذيب النفس والرقي بالذوق وتنمية الإحساس بالجمال، وقدرتها على تشكيل السلوكيات الاجتماعية والفكرية. للموسيقى، بصفة خاصة، دور كبير في إثراء الوجدان ودعوة الإنسان للتأمل والتفكير، مما جعلها تحتل مكانة مرموقة عبر العصور وحتى يومنا هذا. انسجامًا مع هذه التطلعات الروحية والنفسية، ظهرت في المغرب المجموعات الغنائية أو الظاهرة الغيوانية، وفي هذه الورقة نستعرض مسار إحدى هذه المجموعات: لمشاهب.

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، شهد المغرب ظهور نوع جديد من الغناء يحاكي ما كان سائدًا في الغرب، وهو الغناء الشعبي للمجموعات الغنائية. في تلك الفترة، كانت خيارات الشباب الفنية محدودة بين حلقات القصص الشعبية والسينما التي تعرض أفلام الغرب الأمريكي، الكاراتيه، والأفلام الهندية، بالإضافة إلى الأغاني الشرقية لفنانين مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، والأغاني الوطنية والفن الشعبي. على الرغم من الانتشار السريع لهذه المجموعات، إلا أن القليل منها استطاع الصمود، ومن بينها ناس الغيوان، جيل جلالة، ولمشاهب التي تميزت بأدائها وإشعاعها على المستويين الوطني والعالمي.

جاءت هذه المجموعات في ظروف اجتماعية وسياسية غير مستقرة، اتسمت بالاحتقان السياسي والصراع بين المعارضة والنظام فيما عُرف بسنوات "الجمر والرصاص". كانت السلطات تخشى أي انحراف جماهيري، خاصة مع موجة المد الشيوعي الثوري التي تجتاح العالم وتستقطب الشباب والطلبة. وجد الشباب وسيلة لتفريغ مكبوتاتهم السياسية والاجتماعية في مجموعات مثل لمشاهب، التي سطع نجمها بتوجهها الشبابي في الحي المحمدي، مهد "الظاهرة الغيوانية"، والتي استمدت مواضيعها من واقع الفقر والبؤس ومعاناة المهمشين.

تأسست النواة الأولى للمجموعة عام 1969 باسم "بروش نوار"، حيث أسس الشريف لمراني مع شباب الحي المتأثرين بالموسيقى الغربية فرقة "صوت اليوم" التي أصبحت فيما بعد "لمشاهب". استمد الاسم من الشهب، وهو رمز معروف في الثقافة العربية والإسلامية. في البداية، كان التأثر بناس الغيوان واضحًا، لكن لمشاهب فضلت التوجه نحو الشباب بأسلوب موسيقي عصري مستمد من الواقع.

تأثرت المجموعة بظاهرة "الهيبيزم" ووظفت آلات موسيقية غير مألوفة آنذاك مثل "الموندلين"، التي أضاف إليها الشريف لمراني وترًا تاسعًا وأطلق عليها اسم "موندولين سيل" لخلق توزيع صوتي متناغم. شكلت المجموعة، بوجود مؤسسها الشريف لمراني، والصوت الرخيم لمحمد باطما، والكلمات لأمبارك الشادلي، والصوت المتميز لمحمد السوسدي، ومحمد حمادي، ظاهرة فريدة بلون غنائي غير مألوف.

بعد أربع سنوات من التشكيل، انطلقت المجموعة في عالم الشهرة. عام 1975 كان منعطفًا هامًا، حيث التصقت بذاكرة الجمهور بأعمالها وشكلها وملابسها المميزة. كان الشريف لمراني مهندس هذا اللباس وطريقة وقوف المجموعة على الخشبة بشكل نصف دائرة، مما يسهل التواصل بين الأعضاء. انضمام محمد باطما، القادم من مجموعة "تكدة"، أضاف صوتًا قويًا وتناغمًا للفرقة، وكانت أغنيته "أمانة" بداية نجاح كبير.

كان محمد باطما يرغب في الانضمام إلى جيل جلالة، لكن شقيقه العربي باطما، مؤسس ناس الغيوان، أدرك أن انضمامه سيمنح لمشاهب دفعة قوية. تم استقدام الشادلي امبارك ومحمد السوسدي، لتصبح الفرقة تضم خمسة أعضاء، وتبدأ الانطلاقة الفعلية عام 1974 بأغنية "حب الرمان" للشادلي. تلقت المجموعة دعوات عديدة من أوروبا وحققت نجاحًا باهرًا.

بعد زواج محمد باطما ومغادرة زوجته سعيدة بيروك للمجموعة، انضم محمد حمادي، الذي كان صوته من أروع الأصوات. أضاف حمادي لمسة جديدة للمجموعة، وبدأ الشريف في استخدام المؤثرات الصوتية على آلة الموندولين والرسوم المستوحاة من كلمة "لمشاهب". أكد الشريف لمراني أن لمشاهب اعتمدت على مجهودها الذاتي ولم تلجأ إلى التراث في كلماتها أو ألحانها.

في عام 1974، فقدت الساحة الفنية المغربية أحد مؤسسي ناس الغيوان، بوجمعة حيكور (بوجميع). اجتمعت المجموعات الثلاث الخالدة (ناس الغيوان، جيل جلالة، ولمشاهب) في سهرة فنية بالدار البيضاء خصص ريعها لعائلة الفقيد، وقدمت لمشاهب مرثية "هذا الشي مكتوب" للشادلي.

استمرت المجموعة في نشاطها، وأصدرت ألبومها الثاني "وعدي يا وعدي"، وشاركت بأغنية "فلسطين" في مؤتمر الأممية الاشتراكية بموسكو، حيث أعجب بها ياسر عرفات. أصبحت المجموعة تصدر ألبومًا جديدًا كل ستة أشهر، محتلة المرتبة الأولى في الإنتاج الفني الوطني. في عام 1978، سافرت المجموعة إلى أوروبا وحققت شهرة واسعة، ملتزمة بمقاومة الاستعمار والظلم، وداعمة للمحرومين، ورافعًة شعارات الدفاع عن الدول العربية والسلام. أغاني مثل "كولوا يا أهلي" و"داويني" أصبحت أناشيد يرددها الطلبة في احتجاجاتهم، مما سبب للمجموعة مضايقات من الأجهزة الأمنية.

لم يستسغ وزير الداخلية آنذاك، إدريس البصري، قصيدة للشادلي امبارك، مما أدى إلى حصار المجموعة وقرارها الاستقرار بأوروبا. استمرت رحلتها الفنية مشرقة، مع تقاطع فني بين أعضائها ذوي الأصول الموسيقية المتنوعة: صوت محمد باطما من الشاوية، محمد السوسدي من الأطلس، أمبارك الشادلي من الصحراء، محمد حمادي من مراكش، ومايسترو المجموعة الشريف لمراني المتمرس على الطرب الغرناطي والموسيقى الغربية.

عام 1983 شهد انقسامًا في المجموعة إلى فرقتين: الأولى ضمت باطما والسوسدي وحمادي، والثانية ضمت الشريف والشادلي. سافر الشريف لمراني إلى تونس قبل عودته إلى المغرب.

تميزت لمشاهب بانفتاحها على الثقافات العالمية وبحثها في مجالات موسيقية أخرى دون الانسلاخ عن هويتها المغربية. لكن القدر لم يمهل المجموعة بعد التئامها، حيث توفي اثنان من مؤسسيها: محمد باطما (2001) والشريف لمراني (2004)، تاركين فراغًا كبيرًا.

في عام 1997، قدمت لمشاهب مرثية "خو صاحبي" للعربي باطما، مؤسس ناس الغيوان. يعترف الشادلي في كتابه "حب الرمان" بفضل محمد البختي في إنجاح تجربة لمشاهب.

شكل رحيل محمد السوسدي عام 2012 نهاية "لمشاهب"، بعد فقدان ثلاثة أعمدة أساسية، مما حال دون تحقيق حلمها في تمثيل أمجاد المجموعة وإخراج فيلم سينمائي عن مسيرتها بعنوان "حب الرمان". يكمن سر عشق المغاربة للمجموعة في نضالها وقرب أغانيها من هموم الطبقات الشعبية، مثل "الغادي بعيد" و"الليل" و"داويني" و"الحصلة" و"حب الرمان" و"دابا تشوف". أغنية "بغيت بلادي" كانت قريبة جدًا من الملك الراحل الحسن الثاني، الذي طلب إعادة غنائها عدة مرات.

اعتبر محمد السوسدي أن أغنية "مجمع العرب" (1977) تنبأت بالربيع العربي، حيث دعت إلى الثورة والنهوض بالأمة. علق الملك الحسن الثاني على مقطع فيها بفطنته السياسية قائلاً: "ماشي ماصابو علما، بل ما صابو زعما".

تركت مجموعة لمشاهب تراثًا فكريًا غنيًا من خلال روائعها التي أطربت الجماهير المغربية لما يقارب أربعة عقود، لتخلد اسمها في سجل التاريخ الفني.

شارك الخبر: