المغرب
سياسة

عندما تتعرض سيادة المغرب للخطر: هل يكفي صمت الأحزاب؟

العمق المغربي14 أكتوبر 2026 في 19:580 مشاهدة
عندما تتعرض سيادة المغرب للخطر: هل يكفي صمت الأحزاب؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حين تُمَسُّ المملكة المغربية … لا يكفي أن تَصْمُتَ الأحزاب" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 8 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في عالم السياسة والعلاقات الدولية، توجد خلافات يمكن التعامل معها بهدوء، ومواقف قابلة للنقاش بالحجة، وتصريحات قد يتركها الزمن لتأخذ معناها الكامل. لكن عندما يتعلق الأمر بالمملكة المغربية، ملكها، سيادتها، مؤسساتها الدستورية، وثوابتها الوطنية، فإن الصمت قد يُفسر كحكمة، والحياد لا يكون دائماً فضيلة.

ما يلفت الانتباه اليوم ليس فقط ما يصدر عن بعض الأصوات السياسية الإسبانية النشاز، سواء من اليمين أو من بعض مكونات اليسار، من مواقف وتصريحات تتجاوز حدود اللياقة والاختلاف السياسي المشروع، بل أيضاً الفتور الواضح في التفاعل السياسي المغربي. يبدو أن بعض الأحزاب الوطنية قد اختارت أن تختزل وجودها في التحضير للاستحقاقات الانتخابية، وإعداد اللوائح، وتنظيم اللقاءات والمهرجانات، وحساب المقاعد والأصوات، بينما هناك في الخارج من يحاول، تصريحاً أو تلميحاً، الاقتراب من الخطوط الحمراء التي لا ينبغي أن تكون موضوعاً للمزايدات السياسية.

لا يُقصد هنا أن تتحول الأحزاب السياسية المغربية إلى وزارة خارجية موازية أو أن تنازع المؤسسات المختصة اختصاصاتها، فالثوابت الدستورية واضحة، وتدبير السياسة الخارجية للمملكة واختياراتها الاستراتيجية تظل من اختصاص السلطات العليا للبلاد. لكن هذا الاختصاص لا يعني، بأي حال من الأحوال، أن تصمت الأحزاب الوطنية عندما يتعلق الأمر بمواقف خارجية تمس المغرب أو تستهدف مؤسساته ورموزه وثوابته. فالسياسة الخارجية الرسمية شيء، والموقف السياسي الوطني من قضية تمس السيادة والكرامة الوطنية شيء آخر.

إذا كان من الطبيعي أن تلتزم الهيئات الحزبية بالمساحة التي يرسمها الدستور، فمن الطبيعي أيضاً أن يكون لها موقف واضح ومسؤول عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن صورة المغرب ومصالحه الوطنية، والرد على الخطاب السياسي الخارجي الذي يتجاوز حدود النقد المشروع. فالملكية ليست موضوعاً للمزايدة. هناك فرق شاسع بين انتقاد السياسة أو مناقشة قرار أو الاختلاف في توجه دبلوماسي، وبين المساس بالمؤسسة الملكية التي تشكل إحدى ركائز النظام الدستوري المغربي وأحد عناصر الاستقرار السياسي والمؤسساتي للمملكة.

لهذا، فإن أي خطاب صادر عن جهة سياسية أجنبية يتجاوز النقد السياسي إلى المساس بالمؤسسة الملكية، أو محاولة تقديم المغرب ومؤسساته بمنطق الوصاية أو التدخل، لا ينبغي أن يمر وكأنه مجرد تصريح عابر في خضم سجال انتخابي إسباني. المغرب ليس مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الانتخابية للأحزاب الإسبانية، والرباط ليست موضوعاً لحملات انتخابية تجرى في مدريد، والمؤسسة الملكية ليست ورقة انتخابية في يد هذا الحزب الإسباني أو ذاك.

ومن هنا تحديداً يصبح السؤال مشروعاً: أين هو الصوت السياسي المغربي؟! أين هي الأحزاب التي اعتادت إصدار البلاغات في أدق التفاصيل الداخلية؟ أين هي الدبلوماسية الحزبية التي يُفترض أن تكون إحدى أدوات الحضور المغربي في الخارج؟ المشهد الحزبي لا يمكن أن يُختزل في موسم انتخابي. الحزب السياسي ليس آلة انتخابية تشتغل قبل الاقتراع وتتوقف بعد إعلان النتائج. الحزب مؤسسة وطنية، ومن أكبر مسؤولياتها أن تكون حاضرة في القضايا التي تهم البلاد، وأن تتابع ما يجري في محيطها الإقليمي والدولي، وأن تدافع عن مصالح الوطن بالحجة والوعي السياسي.

فقوة الأحزاب لا تُقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصل عليها، وإنما كذلك بقدرتها على قراءة وفهم طبيعة الخطابات الموجهة ضد البلاد، وبناء مواقف سياسية مسؤولة عندما تستدعي الضرورة ذلك. وهذا لا يعني تحويل العلاقات المغربية الإسبانية إلى ساحة سجال دائم، على العكس، المطلوب هو الرد المسؤول، الهادئ، القوي والدقيق. الرد الذي يضع الأمور في نصابها. الرد الذي يفرق بين إسبانيا كدولة تجمعها بالمغرب علاقات استراتيجية، وبين مواقف أحزاب أو تيارات سياسية مرتبطة بحسابات انتخابية أو أيديولوجية. الرد الذي يؤكد بوضوح أن المغرب يحترم المؤسسات الديمقراطية الإسبانية واختيارات الشعب الإسباني، لكنه في الوقت نفسه ينتظر من الفاعلين السياسيين الإسبان احترام سيادة المملكة ومؤسساتها وثوابتها.

فالمغرب قد تغير كثيراً في عهد الملك محمد السادس نصره الله ولم يعد ذلك البلد الذي ينتظر أن ترسم له بعض العواصم موقعه أو تحدد له خياراته. فالمغرب اليوم فاعل إقليمي وازن، وشريك استراتيجي ودولة تدافع عن مصالحها بثبات ووضوح. ومن حقه بل من واجبه أن يواجه الخطابات التي تتعامل معه بمنطق الماضي أو الوصاية. وفي الأخير، تبقى قاعدة واحدة غير قابلة للتأويل: يمكن أن نختلف في كل شيء تقريباً… لكن عندما يتعلق الأمر بالمغرب بسيادته وبمؤسساته الدستورية، وبمؤسسته الملكية فهناك خطوط حمراء لا ينبغي لأي مزايدة في الداخل أو الخارج أن تجعلها موضوعاً للعبث. وإذا كان بعض السياسيين في إسبانيا قد اختاروا أن يجعلوا من المغرب مادة في سجالاتهم، فليس مطلوباً من الأحزاب المغربية أن تجعل من نفسها طرفاً في المعركة، ولكن من حق الوطن عليها أن لا تترك الساحة خالية.

شارك الخبر: