المغرب
سياسة

المقاطعة الانتخابية: وهمٌ سياسيٌّ يُكلف الشباب غالياً

العمق المغربي14 أكتوبر 2026 في 15:520 مشاهدة
المقاطعة الانتخابية: وهمٌ سياسيٌّ يُكلف الشباب غالياً

تنويه

هذا الخبر بعنوان "“وهم” المقاطعة.. الفاتورة السياسية للغياب عن صناديق الإقتراع" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 9 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لعام 2026، يتجدد النقاش حول جدوى المشاركة السياسية، خاصة بين الشباب الذين يعبرون عن خيباتهم وتساؤلاتهم حول جدوى التصويت. تتغذى هذه النبرة من شعارات مثل “ما الجدوى؟”، “الجميع سواء”، و”هل يمكن لصوت واحد أن يغير شيئا؟”. وفي المقابل، تنتشر خطابات تدعو إلى العزوف عن المشاركة السياسية باعتباره موقفاً احتجاجياً. لكن هذا المنطق، رغم ظاهره الاحتجاجي، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث أن العزوف عن التصويت لا يوقف العملية الانتخابية ولا يلغي نتائجها.

بل على العكس، فإن الانسحاب من المجال الانتخابي يترك مساحة القرار لمن يختارون المشاركة، مما يعني أن من يغيب عن صندوق الاقتراع يتخلى عن جزء من قدرته على التأثير في القرار العمومي. عندما ينسحب الشباب من لحظة يُفترض أن يكونوا فيها طرفاً في تحديد ممثليهم، فإنهم يتركون صناعة التوازنات السياسية والقرارات المصيرية لمن يملكون حضوراً انتخابياً أكثر انتظاماً. غياب فئة واسعة من الناخبين لا يعني غياب مصالحهم تلقائياً، بل قد يؤدي إلى اختلال في تمثيل الأولويات الاجتماعية داخل المجال السياسي. وعندما لا تتحول مطالب الشباب المتعلقة بالتشغيل، التعليم، السكن، العدالة الاجتماعية، والفرص الاقتصادية إلى قوة انتخابية قابلة للقياس والمساءلة، تظل قدرتهم على فرض هذه القضايا ضمن أولويات الأحزاب والبرامج محدودة.

المشاركة ليست مجرد حق فردي، بل هي وسيلة لبناء وزن سياسي جماعي يجعل تجاهل مطالب الشباب أكثر كلفة سياسياً. وعلى مستوى صناعة القرار العمومي، تتجاوز خطورة العزوف يوم الاقتراع لتصل إلى ما بعده. فالسياسات العمومية تتأثر بموازين القوى والأولويات التي تفرض نفسها على المؤسسات والفاعلين السياسيين. وإذا بقيت الفئات الأكثر تضرراً من البطالة والهشاشة وضعف الولوج إلى الخدمات بعيدة عن المشاركة السياسية، فقد يستمر ضعف حضور قضاياها في سلم الأولويات، مما يسمح بإعادة إنتاج الاختلالات وتأجيل معالجة أعطاب التنمية.

إن العزوف، حين يتحول إلى سلوك جماعي مستدام، قد لا يغير الواقع الذي يحتج عليه، بل قد يساهم في إدامته. ضعف المشاركة يعني ضعف القدرة على المحاسبة والضغط والتأثير في الاختيارات التي ترسم مسارات الاستثمار، التشغيل، التعليم، الصحة، والحماية الاجتماعية. في السياسة، لا تظل المقاعد شاغرة؛ فالمجال الذي لا يشغله أصحابه سيشغله غيرهم. مقولة “الكرسي الفارغ” ليست مجرد استعارة سياسية، بل هي تحذير من وهم أن عدم المشاركة يمكن أن يكون أداة لتغيير موازين القوى. المرشح الذي يصل إلى البرلمان لن ينتظر المترددين أو المقاطعين، بل سيحصل على مقعده ويساهم في مناقشة القوانين والسياسات والميزانيات التي تمس قطاعات حيوية، وستؤثر هذه القرارات في حياة الجميع، بمن فيهم غير المصوتين.

المشاركة لا تعني منح شيك على بياض للأحزاب والمرشحين، بل هي فرصة لمحاسبة من سبق أن تحمل المسؤولية، واختيار البدائل، ورفض الوجوه والسياسات غير المستجيبة للتطلعات. إذا كانت النخب السياسية القائمة لا تقنع شريحة واسعة من الشباب، فالرد الأكثر فاعلية هو استخدام الصوت الانتخابي لتغيير موازين القوى داخل المشهد السياسي، وليس الانسحاب منه. لكل مواطن الحق في اختيار المشاركة أو المقاطعة بحرية، والمقاطعة موقف سياسي ومدني يعبر عن رؤية أصحابه، تماماً كما أن المشاركة تعبير عن اختيار آخر. لكن، كلما انخفضت نسبة المشاركة، اتسعت استفادة القوى الأكثر تنظيماً والأكثر قدرة على تعبئة ناخبيها، وفي مقدمتها الأحزاب ذات القواعد الانتخابية الثابتة. حين يشارك عدد محدود من المواطنين، تصبح أصوات الفئات المنظمة أكثر تأثيراً، بينما يمكن لمشاركة واسعة أن تقلب الموازين.

من يراهن على المقاطعة كوسيلة لمعاقبة الفساد أو الاحتجاج على أداء الأحزاب، يحتاج إلى التساؤل: هل تؤدي المقاطعة فعلاً إلى إضعاف المستفيدين من الوضع القائم، أم أنها تمنحهم فرصة أكبر للحفاظ على مواقعهم؟ القرار النهائي حق فردي: أن يشارك من يرى في المشاركة طريقاً للتغيير، وأن يقاطع من يرى في المقاطعة تعبيراً عن رفضه، مع إدراك أن لكل اختيار أثراً سياسياً. هنا تبرز أهمية “التصويت العقابي” كأداة للمساءلة السياسية. الديمقراطية لا تقوم فقط على اختيار من نؤيد، بل أيضاً على القدرة على معاقبة من أخفق وتغيير من لم يعد يحظى بالثقة. الشباب المغربي، بحضوره الديموغرافي ودوره المتزايد في تشكيل النقاش العام، يملك قدرة حقيقية على التأثير. لكن هذه القوة تفقد قيمتها عندما تبقى محصورة في فضاءات التذمر أو الغضب العابر على مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن تتحول إلى مشاركة مدنية وسياسية فعلية.

الانتخابات التشريعية المقبلة ليست مجرد موعد إجرائي، بل هي فرصة لممارسة المواطنة والتعبير عن الاختيارات والمطالب والرفض والمحاسبة. وكلما اتسعت مشاركة الشباب، ازدادت قدرتهم على فرض قضاياهم على أجندة الأحزاب والمرشحين والمؤسسات. لا أحد يطلب من الشباب أن يثقوا في الجميع، أو يصوتوا لمن لا يقتنعون به. المطلوب فقط ألا يحولوا الإحباط إلى انسحاب دائم، وألا يتركوا للآخرين مهمة اتخاذ القرارات التي ستحدد مستقبلهم. المقاطعة قد تمنح شعوراً مؤقتاً بالرفض، لكنها لا تضمن التغيير. أما المشاركة الواعية، والاختيار المسؤول، والمحاسبة المستمرة، فهي الأدوات الدستورية والقانونية التي يمكن أن تجعل من الصوت الفردي جزءاً من قوة جماعية قادرة على تغيير المعادلات. لا تتركوا مستقبلكم يُرسم بالنيابة عنكم، ولا تجعلوا من غيابكم هدية لمن يراهن على بقائكم خارج دائرة التأثير. السياسة تُصنع بمن يحضرون، ويشاركون، ويحاسبون؛ لا بمن يكتفون بمراقبة المشهد من مقاعد المتفرجين.

شارك الخبر: