طفرة تأسيس المقاولات بالمغرب: بين الأرقام القياسية وخطر الإفلاس المبكر


هذا الخبر بعنوان "طفرة تأسيس المقاولات بالمغرب تصطدم بمخاطر الإفلاس واستدامة النشاط" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 21 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تواجه آلاف المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة في المغرب مخاطر التعثر والإفلاس خلال سنواتها الأولى، رغم تسجيل أرقام قياسية في تأسيس الشركات الجديدة. فقد تجاوز عدد المقاولات المُحدثة 51 ألفاً في النصف الأول من العام الجاري، لكن الفجوة تتسع بين ديناميكية التأسيس وقدرة هذه الشركات على الاستمرار والنمو. هذا الوضع يضع منظومة المواكبة والتمويل الموجهة للمقاولات الناشئة أمام اختبار حقيقي، خاصة مع ارتفاع أعباء التشغيل، وتأخر تحصيل المستحقات، وصعوبة توفير السيولة اللازمة لاستمرارية النشاط.
وكشفت بيانات المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية عن إحداث 51 ألفاً و805 مقاولات في الأشهر الستة الأولى من عام 2026، منها 39 ألفاً و1 مقاولة في شكل أشخاص معنويين، و12 ألفاً و804 مقاولات فردية. كما بلغ عدد الشهادات السلبية المسلمة 68 ألفاً و416 شهادة، مما يعكس استمرار الإقبال على تأسيس المشاريع.
تتزامن هذه الدينامية مع تسجيل مستويات مرتفعة لتعثر المقاولات. فقد أحصت مؤسسة “إنفوريسك” 15 ألفاً و307 حالات عجز خلال العام الماضي، استحوذت المقاولات الصغيرة جداً على 98.8% منها، مع توقع استمرار هذا المنحى خلال العام الجاري. وتشير معطيات حول وضعية النسيج المقاولاتي إلى تراكم أعداد كبيرة من الشركات غير النشيطة، تقدر بنحو 300 ألف شركة، منها حوالي 250 ألفاً مصنفة لدى المديرية العامة للضرائب، مما يعكس ظاهرة التوقف الفعلي عن ممارسة النشاط دون المرور بإجراءات الإفلاس أو التصفية القضائية.
تثير هذه الوضعية تساؤلات حول قدرة المقاولات المحدثة على تجاوز سنواتها الأولى، خاصة في ظل محدودية رؤوس الأموال الذاتية، وارتفاع التكاليف الثابتة، وتزايد الاعتماد على التمويلات قصيرة الأجل لتغطية الاحتياجات اليومية. وتتركز المخاطر المالية التي تهدد استمرارية المقاولات الناشئة في مرحلتين أساسيتين: الأولى بين الشهر الثامن عشر والرابع والعشرين، حيث تبدأ السيولة الأولية في النفاد وتتراكم مستحقات الموردين والأجور والالتزامات الجبائية والاجتماعية. وتظهر المرحلة الثانية بين السنة الثالثة والخامسة، بالتزامن مع ارتفاع متطلبات التوسع والاستثمار والتوظيف. وتزداد حدة هذه المخاطر بالنسبة للمقاولات المرتبطة بالصفقات العمومية وعقود المناولة، التي تضطر لتمويل تنفيذ الطلبات مسبقاً قبل تحصيل مستحقاتها، مما يجعل استمرار نشاطها رهيناً بانتظام التدفقات المالية وقدرتها على تدبير آجال الأداء.
هشاشة مالية ومخاطر التعثر المبكر:
تُظهر مؤشرات إحداث المقاولات في المغرب تركيزاً لافتاً للأنشطة الجديدة في قطاعات تتسم بحدة المنافسة ومحدودية هوامش الربح. فقد استحوذت التجارة على 27.2% من المقاولات المحدثة في شكل أشخاص معنويين خلال النصف الأول من العام الجاري، تليها البناء والأشغال العمومية والأنشطة العقارية بنسبة 25.4%، ثم الخدمات المختلفة بحصة 20%، مقابل 6.3% فقط للصناعة التي تتطلب استثمارات أكبر وتوفر إمكانات أوسع لإحداث القيمة المضافة ومناصب الشغل المستدامة.
وتعكس البنية القانونية للمقاولات الجديدة هشاشة محتملة في الرسملة وتوزيع المخاطر، حيث استحوذت الشركات ذات المسؤولية المحدودة بشريك وحيد على 65.5% من تسجيلات الأشخاص المعنويين، مما يجعل استمرارية عدد مهم من المشاريع مرتبطة بالإمكانات المالية والتدبيرية لمؤسسيها. وتتزايد هذه المخاطر في الأنشطة التي تعتمد على عدد محدود من الزبناء أو ترتبط بدورات موسمية، حيث يؤدي تراجع الطلب أو تأخر استخلاص المستحقات التجارية إلى اختلال سريع في التوازنات المالية.
تشير معطيات “إنفوريسك” إلى استمرار ارتفاع حالات عجز المقاولات خلال السنوات الأخيرة، على الرغم من تراجعها بنسبة 3.3% خلال عام 2025، بعد زيادات بلغت 18% في 2022، و13% في 2023، و11% في 2024. استحوذت جهة الدار البيضاء-سطات وحدها على 4410 حالات عجز خلال العام الماضي، ما يمثل حوالي 29% من المجموع الوطني. وهي الجهة نفسها التي تتصدر إحداث المقاولات الجديدة، بحصة تناهز 39.3% من الأشخاص المعنويين المسجلين خلال النصف الأول من 2026، مما يبرز تقاطعاً بين كثافة الدينامية الاقتصادية وارتفاع مخاطر التعثر في المجال الجغرافي ذاته.
في هذا السياق، تبرز أهمية القراءة المحاسبية والجبائية لمخاطر التعثر المبكر، خاصة أن المقاولات الناشئة تواجه التزامات مالية تتجاوز مصاريف التأسيس والتجهيز، لتشمل أداء الضرائب والاشتراكات الاجتماعية والأجور ومستحقات الموردين، بصرف النظر عن انتظام تحصيل مداخيلها. ويؤدي غياب التخطيط المالي الدقيق إلى ظهور اختلالات في الخزينة، قد تتطور إلى صعوبات في الوفاء بالالتزامات القانونية والتعاقدية، حتى بالنسبة للمقاولات التي تحقق رقم معاملات متنامياً.
في هذا الصدد، حذّر عبد الإله شناني، الخبير المحاسب والمستشار الضريبي المتخصص في تدبير المنازعات الجبائية، من تداعيات اختلال السيولة على انتظام التصريحات والأداءات الضريبية، والمخاطر التي تواجه المقاولات عند تراكم المتأخرات والجزاءات المالية. وأوضح شناني، في تصريحات لهسبريس، أن هذا الجانب يطرح أهمية التمييز بين المقاولات التي تعاني صعوبات ظرفية في الخزينة وتلك التي تواجه اختلالات هيكلية في نموذجها الاقتصادي، بما يسمح بالتدخل المبكر قبل انتقال الصعوبات المالية إلى مرحلة العجز عن الأداء.
وأكد الخبير المحاسب أن مرصد آجال الأداء كشف عن استمرار الضغوط المرتبطة بتحصيل الديون التجارية، على الرغم من التحسن المسجل خلال السنوات الأخيرة. فقد تراجعت آجال تحصيل مستحقات الزبائن إلى متوسط 98 يوماً من رقم المعاملات خلال 2024، بانخفاض قدره 27 يوماً، مقابل تقلص آجال أداء الموردين إلى 70 يوماً من المشتريات. وشدد المتحدث على أن هذه المؤشرات تظل مرتفعة بالنسبة للمقاولات محدودة الملاءة، التي تضطر لتحمل تكاليف التشغيل والتموين لفترات طويلة قبل تحصيل مستحقاتها.
وأضاف المستشار الضريبي أن هذه الوضعية تتفاقم عندما تتحول صعوبات السيولة إلى تأخر في أداء الالتزامات الجبائية والاجتماعية، بما قد يرفع الكلفة المالية للتعثر ويحد من قدرة المقاولة على استعادة توازنها. كما يطرح ضعف اللجوء إلى مساطر الوقاية والإنقاذ إشكالاً إضافياً. وأشار شناني إلى أن معطيات سابقة لـ”إنفوريسك” أظهرت تسجيل 27 مسطرة إنقاذ فقط خلال 2022، مقابل هيمنة حالات التصفية والحل والتشطيب والتوقف عن النشاط على الملفات المرتبطة بعجز المقاولات.
التمويل والجباية يختبران استمرارية النشاط:
تواجه المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة تحديات متزايدة في تعبئة الموارد المالية الضرورية لتجاوز مرحلة التأسيس والانتقال إلى النمو، على الرغم من استحواذها على الحصة الكبرى من النسيج المقاولاتي الخاص بالمغرب. وتبرز صعوبة الولوج إلى القروض البنكية ضمن أبرز العوائق، خاصة بالنسبة للمشاريع التي تفتقر إلى الضمانات الكافية أو لا تتوفر على تاريخ مالي ومحاسبي يسمح بتقييم قدرتها على السداد.
تفيد مؤشرات بنك المغرب بأن متوسط أسعار الفائدة المطبقة على القروض الجديدة بلغ 5.22% للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة خلال الفصل الأخير من 2025، مقابل 4.74% للمقاولات الكبرى، مما يعكس تفاوتاً في تكلفة التمويل بين الفئتين. ويتزامن هذا الفارق مع اشتراط ضمانات شخصية وعينية في عدد من ملفات التمويل، الأمر الذي يدفع بعض أصحاب المشاريع إلى الاعتماد على مواردهم الذاتية أو تقليص استثماراتهم لتفادي ارتفاع المديونية.
على الرغم من تعبئة آليات الضمان العمومي التي تديرها مؤسسة “تمويلكم” لأكثر من 54 مليار درهم من القروض خلال العام الماضي، عبر ما يفوق 84 ألف عقد ضمان، فإن احتياجات المقاولات الصغيرة إلى تمويل رأس المال العامل تظل مرتفعة، خصوصاً في المراحل التي تعرف توسعاً في النشاط. وتستهدف خارطة الطريق الجديدة للمؤسسة، تحت اسم “جسور 2030″، بلوغ 435 ألف مستفيد في أفق نهاية العقد؛ بينهم 330 ألف مقاولة صغيرة جداً ومقاولة ذاتية، بما يعكس أهمية توسيع قاعدة الاستفادة من آليات التمويل والضمان.
في هذا الإطار، نبه محمد أمين بنرحمون، الخبير المحاسب المتخصص في السياسات الضريبية، إلى بروز البعد الجبائي ضمن المحددات الأساسية لاستمرارية المقاولات، بالنظر إلى تأثير الالتزامات الضريبية على تدبير الخزينة والقدرة على الاستثمار. وتساءل عن مدى ملاءمة المنظومة الجبائية الحالية لخصوصيات المقاولات حديثة التأسيس، خصوصاً خلال السنوات التي تتسم بضعف المردودية وارتفاع المصاريف مقارنة بالمداخيل.
وأوضح بنرحمون، في تصريحات للجريدة، أن هذه الزاوية تتصل أيضاً بأهمية المواكبة المحاسبية والضريبية خلال المراحل الأولى من النشاط، إذ تواجه بعض المقاولات صعوبات في إعداد توقعات مالية دقيقة، وتدبير الضريبة على القيمة المضافة، وضبط النفقات القابلة للخصم، واحترام آجال التصريح والأداء. ويمكن أن يؤدي تراكم الاختلالات المحاسبية أو ضعف تتبع الالتزامات الجبائية إلى ظهور أعباء مالية إضافية، بما يفاقم هشاشة المقاولات التي تعاني أصلاً من نقص السيولة.
وشدد المتخصص في السياسات الضريبية على الحاجة إلى تطوير آليات مواكبة تتجاوز تبسيط إجراءات التأسيس، من خلال تمكين المقاولات الناشئة من أدوات للتخطيط المالي والجبائي، وتعزيز قدراتها على إعداد الحسابات السنوية وتتبع مؤشرات المردودية والسيولة. وأشار إلى أهمية توسيع الاستفادة من خدمات الاستشارة المحاسبية والضريبية، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأولى، باعتباره أحد المسارات الممكنة للحد من المخاطر المرتبطة بسوء تقدير الاحتياجات التمويلية والالتزامات المستقبلية.
تشكل الصفقات العمومية وعقود المناولة مع المقاولات الكبرى اختباراً إضافياً لاستمرارية المشاريع الصغيرة، إذ يتطلب تنفيذها تعبئة موارد مالية مسبقة لتغطية المشتريات والأجور والمعدات، قبل تحصيل المستحقات المرتبطة بالأشغال أو الخدمات المنجزة. وعلى الرغم من تسجيل المؤسسات والمقاولات العمومية متوسط أجل أداء بلغ 32.5 يوماً، مع نسبة امتثال ناهزت 92%، فإن التأخر في الأداء داخل سلاسل المناولة الخاصة يظل مصدر ضغط على المقاولات محدودة الموارد، خصوصاً في قطاعي البناء والعقار.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد