المغرب
سياسة

قضية الصحراء: من شرط ثانوي إلى محور الشراكات الدولية للمغرب وفق رؤية الصديقي

العمق المغربي21 أكتوبر 2026 في 13:020 مشاهدة
قضية الصحراء: من شرط ثانوي إلى محور الشراكات الدولية للمغرب وفق رؤية الصديقي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "“من الحظر إلى الحزم”.. الصديقي يكشف كيف أصبحت قضية الصحراء شرطا للشراكة الدولية مع المغرب؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 21 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

كشف سعيد الصديقي، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، عن تحول استراتيجي في السياسة الخارجية للمغرب، حيث أصبحت قضية الصحراء شرطاً أساسياً في الشراكات الدولية. وأوضح الصديقي، في دراسة أكاديمية نشرها المعهد المغربي لتحليل السياسات، أن المغرب يعيد صياغة تموضعه الاستراتيجي في ظل التحولات الدولية المتسارعة، من خلال تنويع شراكاته وتوسيع انخراطه الإقليمي، مع الحفاظ على علاقاته التقليدية مع القوى الغربية.

وأشار إلى أن صعود قوى دولية جديدة، مثل الصين، وتنامي التنافس الجيوسياسي، والتراجع النسبي للهيمنة الأمريكية، أتاح للمغرب فرصاً جديدة لتعزيز حضوره الدولي، ولكنه في المقابل وضع المملكة أمام تحديات تتطلب تدبيراً حذراً للعلاقات مع القوى المتنافسة. تحمل الدراسة عنوان «التموضع الاستراتيجي للمغرب: كيف تتكيف قوة متوسطة مع عالم متغير»، وتبحث في كيفية توظيف الرباط للتحولات الدولية لحماية مصالحها الوطنية وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية.

من الارتباط بالغرب إلى تنويع الشراكات

تاريخياً، اتسمت السياسة الخارجية المغربية بالحذر، خاصة في ظل هيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي والضغوط الداخلية. لكن التحولات التي أعقبت الربيع العربي سنة 2011، وصعود الصين، وعودة روسيا، دفعت المغرب إلى توسيع دائرة شراكاته لتشمل قوى دولية وإقليمية متعددة، مثل الصين وروسيا والهند وتركيا، بالتوازي مع تعزيز علاقاته مع دول الخليج وتكثيف حضوره في إفريقيا. تجسد هذا التوجه في زيارات ملكية إلى روسيا والصين سنة 2016، وتعزيز العلاقات مع بكين، وعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017.

لم يقتصر التحول على توسيع الشراكات، بل شمل أيضاً اعتماد الرباط نهجاً أكثر حزماً تجاه حلفائها الغربيين، من خلال المطالبة بمراعاة مصالحها الوطنية الأساسية، وفي مقدمتها قضية الصحراء، والسعي إلى تحقيق قدر أكبر من المعاملة بالمثل. يؤكد الصديقي أن هذا التوجه لا يعكس رغبة في التخلي عن التحالفات التقليدية، بل محاولة لإعادة ضبطها ضمن سياسة خارجية أكثر تنوعاً ومرونة.

“التحوط البراغماتي” لتجنب الاصطفاف

تعتبر الدراسة أن مفهوم «التحوط البراغماتي» هو مدخل أساسي لفهم السياسة الخارجية المغربية، وهو لا يعني اتخاذ مسافة متساوية من القوى المتنافسة، بل توسيع الخيارات الاستراتيجية مع الحفاظ على العلاقات الضرورية للمصالح الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية للمملكة. في هذا السياق، تطورت العلاقات المغربية الصينية بشكل ملحوظ منذ إرساء الشراكة الاستراتيجية سنة 2016، وانضمام المغرب إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية سنة 2017. تحرص الرباط على ضبط وتيرة التعاون مع بكين بما يراعي انعكاساته المحتملة على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

تظهر الحرب الروسية الأوكرانية وجهاً آخر لهذا النهج، حيث أكد المغرب احترام وحدة أراضي أوكرانيا وسيادتها، مع تجنب الاصطفاف الحصري إلى جانب موسكو أو المعسكر الغربي. يربط الصديقي هذا الموقف بحسابات استراتيجية متعددة، تشمل أهمية الحفاظ على علاقات بناءة مع روسيا، نظراً لعضويتها الدائمة في مجلس الأمن وتنامي حضورها في منطقة الساحل، فضلاً عن رغبة الرباط في الاحتفاظ بهامش للمناورة.

بالنسبة إلى أوروبا، لم تعد العلاقات قائمة فقط على اعتماد المغرب على شركائه الأوروبيين، بل أصبحت تتسم بدرجة متزايدة من الاعتماد المتبادل في مجالات التجارة والاستثمار والهجرة وأمن الحدود ومكافحة الإرهاب، مما يمنح الرباط هامشاً أوسع للمطالبة بمراعاة أولوياتها الاستراتيجية.

قضية الصحراء في صلب الحسابات الاستراتيجية

تضع الدراسة قضية الصحراء في قلب محددات السياسة الخارجية المغربية. يستحضر الصديقي الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء في دجنبر 2020، والتحولات التي شهدتها مواقف عدد من الدول الأوروبية بشأن مبادرة الحكم الذاتي، إضافة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797. تفسر مركزية القضية استعداد المغرب لتحمل تكاليف دبلوماسية عندما تتخذ بعض الدول مواقف تتعارض مع مصالحها الوطنية، مستحضراً التوترات التي شهدتها العلاقات المغربية مع الولايات المتحدة والسويد وألمانيا وإسبانيا وفرنسا وتونس.

تخلص الدراسة إلى أن قضية الصحراء تمثل قيداً ومحركاً للتموضع الاستراتيجي المغربي؛ فهي تحد من هامش المرونة في بعض العلاقات الثنائية، لكنها تدفع المملكة أيضاً إلى تنويع شراكاتها وتوسيع دائرة الدعم السياسي والدبلوماسي لموقفها. تتناول الدراسة أيضاً تدبير المغرب لعلاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بالتوازي مع استمرار دعمه لقيام دولة فلسطينية، معتبرة أن هذا التوازن يعكس سعي الرباط إلى الحفاظ على مرونتها الدبلوماسية.

استقلالية استراتيجية دون مراجعة النظام القائم

يسعى المغرب إلى تعزيز استقلاليته الاستراتيجية دون تبني سياسة تستهدف تغيير النظام الإقليمي والدولي القائم. الاستقلالية لا تعني الانفصال عن القوى الخارجية، بل الحفاظ على حرية الاختيار وتوسيع هامش القرار الوطني. يبرز هذا التوجه في سعي المغرب إلى الحفاظ على توازن القوى في المنطقة المغاربية، في ظل التنافس المستمر مع الجزائر. يحذر الباحث من مخاطر سباق تسلح غير منضبط، معتبراً أن تحديث القدرات العسكرية المغربية يرتبط بحماية المصالح الوطنية والحفاظ على التوازن الاستراتيجي.

أتاح التحول نحو نظام دولي أكثر تعددية للمغرب فرصاً أوسع لتنويع شراكاته وتقليص الاعتماد على طرف واحد، دون الحاجة إلى موازنة القوى الكبرى بصورة مباشرة.

طموحات متزايدة وحدود القدرة

رغم المكاسب التي حققها المغرب، يظل تموضعه الاستراتيجي محكوماً بقيود بنيوية ترتبط بمحدودية الموارد الاقتصادية والعسكرية والسياسية، فضلاً عن تعقيدات البيئة الإقليمية. يتمثل التحدي الأساسي في ضمان التناسب بين الطموحات الدولية للمغرب وقدرته على الوفاء بالتزاماته. يشير إلى أن التنافس المغربي الجزائري، وتعقيدات العلاقات مع إسبانيا، تفرض حدوداً على قدرة الرباط على تحويل تنامي حضورها الخارجي إلى نفوذ جيوسياسي أوسع.

يظل نجاح سياسة التحوط رهيناً بالحفاظ على مصداقية المغرب لدى شركائه التقليديين والقوى الصاعدة، بما يضمن أن يُفهم تنويع الشراكات باعتباره امتداداً للالتزامات القائمة، وليس بديلاً عنها. يمثل التموضع الاستراتيجي المغربي محاولة لتعزيز موقع المملكة داخل نظام دولي متغير، وليس انتقالا نحو مراجعة النظام القائم، وستتوقف استدامة هذا النهج على قدرة الرباط على المواءمة بين طموحاتها وإمكاناتها، وتدبير القيود الإقليمية.

شارك الخبر: