وجهة نظر: المصطفى قاسمي
21 أكتوبر 2026 - 19:53
تُعدّ الائتلافات الحكومية في النظم السياسية المعاصرة ركيزة أساسية في إدارة السلطة التنفيذية وضمان استقرار المرفق العام. وفي السياق المغربي الحالي، الذي يشهد ورشاً تنموياً طموحاً لتنزيل “النموذج التنموي الجديد” وترسيخ أسس “الدولة الاجتماعية”، يبرز التحالف الحكومي المكون من كتل حزبية ذات مرجعيات متنوعة (حزب الأصالة والمعاصرة، حزب الاستقلال، حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية) كحالة دراسية فريدة تستحق التحليل العلمي المتعمق.
تتمحور الإشكالية الرئيسية التي تواجه العلوم السياسية والقانون الدستوري حول قدرة هذا التحالف، الذي يجمع بين “المرجعيات الليبرالية/التحديثية” و”التوجهات اليسارية/الاجتماعية”، على تجاوز التباينات الهيكلية وضمان الالتزام بقواعد الحكامة والنزاهة الإجرائية، لتفادي تعثر العمل الحكومي أو شلله عند التعامل مع القرارات المالية والتنموية الحاسمة.
أولاً: التباين الأيديولوجي والبنيوي بين أحزاب الائتلاف
عند مقارنة البرامج الانتخابية والأدبيات التأسيسية للأحزاب الأربعة المكونة للتحالف، تظهر ازدواجية هيكلية تؤثر مباشرة على صياغة السياسات العامة:
- الكتلة الليبرالية والتحديثية (حزب الأصالة والمعاصرة + حزب الاستقلال): تركز على دور القطاع الخاص، تحفيز الاستثمار المباشر، تخفيف العبء الضريبي على الشركات، وضبط عجز الميزانية في حدود 3%. وهذا يعكس اهتماماً بالبعد التجاري، مما قد يفتح الباب أمام تضارب المصالح إذا لم تُفعّل آليات الحكامة الوقائية بصرامة.
- الكتلة الاجتماعية واليسارية (حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية + حزب التقدم والاشتراكية): تلتزم بالمرجعية الاجتماعية الداعية للعدالة الضريبية (عبر فرض ضريبة تصاعدية على الثروة)، وزيادة الإنفاق العام المباشر على قطاعي الصحة والتعليم، وحماية القدرة الشرائية عبر ضبط الأسعار. هذا يتطلب توسيع ميزانية الدولة وتغطية الأجور، وهو ما قد يصطدم بسقف الضبط المالي الذي تتبناه الكتلة الأولى. يولد هذا التباين “صراعاً على الموارد والوسائل” بين الكتلتين.
ثانياً: المتغير الحكامي ومؤشرات النزاهة وأثرها على المصلحة العامة
يتطلب نجاح أي حكومة توفر المشروعية البرامجية والمشروعية الإجرائية والأخلاقية. وتؤكد أدبيات الحكامة المالية أن وجود مؤاخذات أخلاقية أو متابعات قضائية تتعلق بإدارة المال العام، أو الاستيلاء على الملك العمومي، أو الديون غير المسددة، له آثار خطيرة على الأداء الحكومي، منها:
- تآكل الامتثال الطوعي للمواطنين: ضعف النزاهة لدى بعض المسؤولين يقلل من ثقة الجمهور في القرارات الحكومية، مما يزيد من كلفة التنفيذ والاحتقان الاجتماعي.
- عرقلة الاستثمار والتصنيف الدولي: تعتمد المؤسسات المالية الدولية على مؤشرات الحوكمة ومدركات الفساد. غياب الصرامة الأخلاقية لدى المسؤولين التنفيذيين يقلل من جاذبية الدولة الاستثمارية ويرفع كلفة الاقتراض الخارجي.
- التأثير على الشفافية والمساءلة: التداخل بين السلطة التنفيذية والمصالح الخاصة يعيق سن تشريعات صارمة (مثل تجريم الإثراء غير المشروع وتقارير هيئات النزاهة).
ثالثاً: السيناريوهات الاستشرافية لتنفيذ البرنامج الحكومي
بناءً على التحليل المتقاطع للمتغيرات الأيديولوجية والحكاماتية، يمكن وضع ثلاثة سيناريوهات مستقبلية لحركية هذا التحالف:
- السيناريو الأول: التعديل الحكومي (احتمال 60%): قد تقوم رئيسة الحكومة، بتنسيق مع المؤسسة الملكية، بإجراء تعديل حكومي مبكر يستبعد الوزراء والمسؤولين المشتبه بهم أو الذين يفتقرون للكفاءة، مع إعادة صياغة أولويات البرنامج الحكومي وفق معايير الحكامة الوقائية. هذا السيناريو سيساهم في استعادة الثقة الشعبية والاستثمارية وحماية ورش الدولة الاجتماعية.
- السيناريو الثاني: جمود تشريعي واستنزاف الثقة (احتمال 30%): قد يؤدي هذا السيناريو إلى صراع داخلي يؤثر على قوانين المالية وإصلاح المرافق الحيوية، مما ينتج عنه تباطؤ في الإنجاز وتفاقم الاحتقان النقابي والشعبي.
- السيناريو الثالث: الانشطار السياسي والانسحاب (احتمال 10%): قد ينسحب أحد المكونات الرئيسية (خاصة من الكتلة اليسارية) احتجاجاً على تغليب المصالح الضيقة، مما يدخل الأغلبية في أزمة تتطلب تعديلاً دستورياً. هذا السيناريو سيكون له كلفة سياسية وزمنية مرتفعة تعطل مسار التنمية المستدامة.
خاتمة وتوصيات استراتيجية
لضمان عدم تعثر ورش التنمية المستدامة في المملكة المغربية، نقترح التوصيات الاستراتيجية التالية:
- تفعيل ميثاق الأخلاقيات وتضارب المصالح.
- مأسسة الرقابة الاستباقية للسياسات العامة، بتفويض المجلس الأعلى للحسابات والهيئة الوطنية للنزاهة لتقييم الأثر التنموي والحكامي للقطاعات الوزارية دورياً.
- تغليب الكفاءة على المحاصصة في التعيينات التنفيذية لضمان فعالية المؤسسات والاستقرار الوطني.