مشروع قانون المالية 2027: المغرب نحو تحويل الاستثمار إلى ثروة مستدامة


هذا الخبر بعنوان "المغرب الاقتصادي الجديد: هل يحوّل مشروع قانون المالية 2027 الاستثمار إلى ثروة" نشر أولاً على موقع اليوم 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 24 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يدخل المغرب منعطفاً اقتصادياً حاسماً، حيث تتوقف معالمه المستقبلية على قدرته على تحويل عقود من الاستثمارات والإصلاحات الهيكلية والبنيات التحتية إلى محرك إنتاجي قادر على المنافسة عالمياً. وفي هذا السياق، يبرز مشروع قانون المالية لسنة 2027 كوثيقة تتجاوز أهميتها الميزانياتية، فهي تمثل أول اختبار لحكومة جديدة بطموحات إصلاحية، وتضعها أمام مسؤولية تسريع التحول الاقتصادي والاجتماعي للمملكة. يهدف المشروع إلى ترجمة التوجيهات الملكية إلى سياسات فعالة، والانتقال من مجرد تعبئة الموارد إلى تحقيق نتائج ملموسة في الإنتاجية والتشغيل والدخل، مع تعزيز دور الجهوية المتقدمة في إنتاج الثروة.
تكشف أرقام المشروع عن حجم الرهانات، حيث يُفترض تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 4.3%، مع استهداف تقليص عجز الميزانية إلى 3% من الناتج الداخلي الخام وخفض المديونية العمومية. ولتحقيق ذلك، يرتفع مجهود الاستثمار العمومي إلى 400 مليار درهم، بينما تقدر الكلفة المالية للإجراءات الاجتماعية الجديدة بنحو 62 مليار درهم. يهدف هذا المجهود المزدوج إلى إحداث تحول في بنية الاقتصاد الوطني، من خلال تعبئة الاستثمار الخاص، ورفع الإنتاجية، وخلق فرص الشغل، وتحسين الدخل الحقيقي للأسر، وتوسيع فرص الارتقاء الاجتماعي.
لقد تأسس التحول الاقتصادي المغربي على اختيار استراتيجي للاستثمار في البنيات التحتية والقطاعات الإنتاجية والخدمات المالية، مما أتاح تطوير منظومات صناعية في السيارات والطيران، وتعزيز البنيات المينائية واللوجستية، وتوسيع الاستثمارات في الطاقة، وتطور المؤسسات المالية المغربية وحضورها في الأسواق الإفريقية. وتكشف هذه التحولات عن نشوء «الهندسة الاستراتيجية للرأسمال»، التي تنظم العلاقة بين التمويل والصناعة والبنيات التحتية والتكنولوجيا والرأسمال البشري. ومع ذلك، تفرض المرحلة المقبلة الانتقال من منطق توسيع الأصول الاقتصادية إلى منطق تعظيم إنتاجيتها، مع التركيز على القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، مثل الصناعة والتكنولوجيا، وتقليل الاعتماد على القطاع الفلاحي المتقلب مناخياً.
تتيح التحولات الاقتصادية قراءة أوسع لوظيفة الاستثمار العمومي، حيث أصبحت الموانئ والمناطق الصناعية والمؤسسات المالية وشبكات النقل والطاقة والاتصالات أصولاً استراتيجية تمنح المملكة قدرة متزايدة على الربط بين الفضاءات الاقتصادية، مما يساهم في بناء «الدولة المنصة». ويقوم هذا التصور على قدرة الدولة على تنظيم تدفقات الرأسمال والسلع والطاقة والبيانات والخدمات بين أسواق متعددة، وتحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية مستدامة. وتظل قدرة المغرب على توسيع موقعه في المبادلات الدولية مرتبطة بصلابة قاعدته الإنتاجية الداخلية، مما يمنح الاستثمارات الموجهة إلى الماء والطاقة والأمن الغذائي أهمية اقتصادية تتجاوز تدبير الخصاص، لتصبح جزءاً من شروط تنافس الاقتصاد الوطني واستقرار إنتاجه.
يفتح مشروع قانون المالية لسنة 2027 فرصة لتطوير قراءة أعمق للعلاقة بين النمو الاقتصادي والتحول الاجتماعي، من خلال مفهوم «معامل الانتقال الاجتماعي للنمو». ويقوم هذا المفهوم على تحليل فعالية انتقال المكاسب الاقتصادية إلى المجتمع عبر حلقات مترابطة: الرأسمال ← الإنتاجية ← التشغيل ← الدخل ← الحركية الاجتماعية. وتتوقف المردودية الاجتماعية للنمو على فعالية انتقال القيمة بين هذه الحلقات. وتتضمن الإجراءات المقترحة في المشروع مواصلة مراجعة الضريبة على الدخل، والرفع التدريجي لمعاش التقاعد، وزيادة نسبة التعويض عن فقدان الشغل، بهدف تحسين الدخل المتاح للأسر وزيادة القدرة الشرائية.
يحتل تعزيز الدولة الاجتماعية موقعاً مركزياً في الاختيارات العمومية، حيث يخصص المشروع حزمة من الإجراءات الاجتماعية تقدر كلفتها الإجمالية بنحو 62 مليار درهم، تشمل توسيع الحماية الاجتماعية، ودعم القدرة الشرائية، وتحسين الدخل، وتعزيز خدمات الصحة والتعليم والسكن. ويرتقب رفع ميزانية قطاع الصحة إلى نحو 45.4 مليار درهم، وقطاع التعليم إلى 121.3 مليار درهم، مع تخصيص اعتمادات مهمة لقطاع السكن وبرامج الشباب. وتكشف هذه الاعتمادات عن إدراك متزايد لأهمية الرأسمال البشري في بناء القدرة الإنتاجية الوطنية، حيث لا يمثل الإنفاق الاجتماعي مجرد تكلفة، بل استثماراً مباشراً في الإنتاجية المستقبلية.
يفرض اتساع الاستثمار العمومي والبرامج الاجتماعية تطوير أدوات التدبير والتقييم، خاصة مع تخصيص ما لا يقل عن 12 مليار درهم لدعم التنمية الترابية المندمجة. ويقتضي تحقيق المردودية المرجوة تسريع تنزيل اللاتمركز الإداري، وتعزيز قدرة المؤسسات الترابية على تعبئة الموارد وتنفيذ المشاريع وفق الأولويات الاقتصادية والاجتماعية لكل مجال. ويتمثل التحدي في استعادة الجوهر الاقتصادي للجهوية المتقدمة، عبر الانتقال من جهوية يغلب عليها تدبير الاختصاصات الإدارية إلى جهوية منتجة للثروة والقيمة المضافة وفرص الشغل. وتتطلب هذه الجهوية إرساء تعاقد اقتصادي بين الدولة والجهات، يقوم على تحديد الأولويات والتخصصات الإنتاجية لكل مجال ترابي، وربط التمويل العمومي بالتزامات قابلة للتقييم في الاستثمار الخاص والتشغيل وتطوير سلاسل القيمة المحلية.
يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 الاقتصاد المغربي أمام اختبار يتجاوز حجم الاعتمادات المعبأة إلى قدرتها على إحداث تحول إنتاجي واجتماعي مستدام. فالرهان يتمثل في الانتقال من تراكم الرأسمال إلى تكاثره الإنتاجي، عبر توجيه التمويل نحو الأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة، وتعميق الاندماج الصناعي، وتطوير المعرفة والتكنولوجيا. ويكتمل هذا التحول بمدى قدرة النمو على الانتقال إلى المجتمع عبر التشغيل المستقر والدخل الحقيقي والحركية الاجتماعية، مما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على تجديد رأسماله والاحتفاظ بحصة أكبر من القيمة المتولدة داخل سلاسل الإنتاج الدولية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد