المغرب
اقتصاد

ارتفاع تكاليف الاقتراض الدولي يضع الخزينة المغربية في موقف حرج ويثير قلق المستثمرين

هسبريس25 أكتوبر 2026 في 09:160 مشاهدة
ارتفاع تكاليف الاقتراض الدولي يضع الخزينة المغربية في موقف حرج ويثير قلق المستثمرين

تنويه

هذا الخبر بعنوان "كلفة الاقتراض الدولي تثقل كاهل الخزينة وتثير قلق المستثمرين في المغرب" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 25 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تواجه الخزينة العامة للمملكة تحديات متزايدة في تعبئة التمويلات من الأسواق المالية الدولية، وذلك بسبب الارتفاع المستمر في عوائد السندات السيادية الأمريكية والأوروبية. هذا الارتفاع يهدد بزيادة تكلفة الاقتراض الخارجي للمغرب، على الرغم من استمرار ثقة المستثمرين الدوليين في الجدارة الائتمانية للمملكة.

تشير المعطيات المالية الحديثة إلى أن عائد سندات الخزينة الأمريكية لأجل عشر سنوات بلغ حوالي 5.12% في الأسبوع الثاني من أكتوبر، مقارنة بـ 3.45% للسندات الحكومية الألمانية لنفس المدة. هذا الفارق يجعل خيارات التمويل المتاحة للمغرب أكثر تكلفة.

وقد اتسع الفارق بين ظروف التمويل الحالية وتلك التي كانت سائدة في الربيع الماضي، حيث تراوحت عوائد السندات الأمريكية لعشر سنوات بين 4.48% و 4.60% في منتصف مايو، قبل أن تتجاوز 5% في بداية أكتوبر. هذا التطور له أهمية خاصة للمغرب، حيث تعتمد تكلفة اقتراضه على أسعار الفائدة المرجعية بالعملات المعتمدة، مضافاً إليها هامش المخاطر الذي يقيمه المستثمرون لقدرة المملكة على الوفاء بالتزاماتها.

أظهرت بيانات آخر عملية اقتراض دولي للمملكة، التي تمت في 19 مايو الماضي، أن الخزينة نجحت في تعبئة 2.25 مليار يورو عبر شريحتين: الأولى بقيمة 1.25 مليار يورو لأجل ثماني سنوات بعائد 4.842%، والثانية بمليار يورو لأجل اثنتي عشرة سنة بعائد 5.289%. وقد استقطبت هذه العملية طلبات اكتتاب بقيمة 5.2 مليار يورو، مما يعكس استمرار اهتمام المستثمرين الدوليين بالدين السيادي المغربي.

تتزامن هذه التطورات مع توقعات ببلوغ خدمة دين الخزينة حوالي 108.2 مليار درهم خلال السنة الجارية، منها 44.1 مليار درهم للفوائد و 64.2 مليار درهم لأصل الدين. يثير احتمال تأجيل العودة إلى الأسواق الدولية مخاوف المستثمرين المحليين من زيادة اعتماد الخزينة على السوق الداخلية، مما قد يرفع الطلب على السيولة ويضغط على عوائد سندات الخزينة طويلة الأجل، رغم احتفاظ السلطات المالية بهامش للمناورة.

ارتفاع الفوائد يضاعف أعباء التمويل

وضعت التحولات في أسواق السندات الدولية المغرب أمام معادلة مالية دقيقة، تتعلق بقدرته على الاستفادة من تحسن صورته الائتمانية دون تحمل تكاليف إضافية ناجمة عن ارتفاع أسعار الفائدة العالمية. بلغ عائد سندات الخزينة الأمريكية لأجل عشر سنوات حوالي 5.2% في أواخر سبتمبر، وهو مستوى لم يسجل منذ عام 2007، قبل أن يصل إلى 5.24% في الأول من أكتوبر، مقابل 5.61% للسندات الأمريكية لأجل ثلاثين سنة.

أثر ارتفاع هذه العوائد في قرارات المستثمرين الدوليين وتوزيع محافظهم المالية. فكلما ارتفعت المردودية في الأسواق الأمريكية والأوروبية، زادت متطلبات العائد للمستثمرين الراغبين في اقتناء سندات الدول الصاعدة، خاصة للإصدارات طويلة الأجل التي تنطوي على مخاطر تقلبات أسعار الصرف والتطورات الاقتصادية.

وأوضح منير المستاري، مستشار مالي وضريبي متخصص في تدبير العمليات الائتمانية للمقاولات، أن ارتفاع عوائد السندات السيادية الأمريكية والأوروبية ينعكس على شروط التمويل المتاحة للدول الصاعدة، بما فيها المغرب. وأشار إلى أن المستثمرين يعتمدون أسعار الفائدة المرجعية لتحديد العائد المطلوب، قبل إضافة علاوة المخاطر المرتبطة بالتصنيف الائتماني والوضعية المالية للدولة المقترضة.

وأضاف المستاري أن تحسن الجدارة الائتمانية للمغرب وثقة المستثمرين لا يعنيان بالضرورة انخفاض كلفة الاقتراض، مشدداً على أن ارتفاع سعر الفائدة المرجعي يمكن أن يمتص المكاسب المحققة من تقليص علاوة المخاطر. واعتبر أن التحدي الأساسي للخزينة يتمثل في اختيار التوقيت المناسب للإصدار، وتحديد آجال الاستحقاق والعملات التي تسمح بتقليص التكلفة الإجمالية للتمويل.

برزت حساسية الخزينة تجاه هذه التحولات من خلال شروط إصدار ماي الماضي، الذي تم تسعير شريحته الأولى بهامش 170 نقطة أساس، مقابل 200 نقطة أساس للشريحة الثانية. ورغم نجاح العملية في استقطاب طلبات اكتتاب مهمة، فإن تكرارها في سياق ارتفاع الفوائد قد يفرض على الخزينة قبول عوائد أكبر، حتى في حالة استقرار علاوة المخاطر المرتبطة بالدين المغربي.

كشفت الحسابات المالية عن حجم الأعباء المحتملة لهذه الزيادة؛ فارتفاع كلفة الاقتراض بنصف نقطة مئوية على إصدار بقيمة ملياري يورو، مع افتراض ثبات أصل الدين طوال عشر سنوات، يعني أداء فوائد إضافية تناهز عشرة ملايين يورو سنوياً، أي 100 مليون يورو خلال مدة القرض، بما يعادل حوالي مليار درهم.

وأكد المستاري أن تدبير العمليات الائتمانية في بيئة تتسم بارتفاع أسعار الفائدة يقتضي احتساب الكلفة الشاملة للتمويل، بما فيها مخاطر الصرف ونفقات التغطية وآجال السداد. ولفت إلى أن اختيار قروض قصيرة الأجل قد يسمح بالحصول على فوائد أقل، لكنه يرفع مخاطر إعادة التمويل مستقبلاً، بينما يوفر الاقتراض طويل الأجل استقراراً أكبر في الالتزامات المالية مقابل تثبيت تكلفة قد تكون مرتفعة لسنوات.

أشارت المعطيات المالية إلى بلوغ أعباء فوائد دين الخزينة 24 مليار درهم عند نهاية يونيو الماضي، بزيادة نسبتها 2.6%، فيما يرتقب أن تصل فوائد الدين المرتبطة بالسوق المالية الدولية إلى 4.14 مليار درهم خلال السنة الجارية، مقابل 4 مليارات درهم في 2025. وتوقعت تقديرات “التجاري غلوبال ريسيرش” بلوغ إجمالي دين الخزينة 1211 مليار درهم بنهاية 2026، مع ارتفاع الحصة المرتقبة للدين الخارجي من 28% إلى 29%، بينما ترجح المندوبية السامية للتخطيط تراجع نسبة مديونية الخزينة من 65.8% إلى 65.2% من الناتج الداخلي الخام خلال 2027.

مخاوف المستثمرين من ضغوط السوق الداخلية

لا ترتبط تداعيات ارتفاع كلفة الاقتراض الدولي بالتمويل الخارجي وحده، بل تمتد إلى السوق المالية المحلية، حيث يراقب المستثمرون اختيارات الخزينة بشأن توزيع حاجياتها التمويلية. يغذي احتمال تأجيل إصدار دولي جديد المخاوف من ارتفاع حجم الاقتراض الداخلي، مما قد يزيد المنافسة على السيولة المتاحة لدى البنوك والمؤسسات الاستثمارية، ويدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى على سندات الخزينة.

أظهرت تحليلات صادرة عن مركز الأبحاث “سي إف جي ريسيرش” إدماج المستثمرين فرضية المفاضلة بين التمويل الداخلي والاقتراض الدولي ضمن توقعاتهم المتعلقة بتطور منحنى أسعار الفائدة. موضحة أن ارتفاع كلفة الإصدارات الخارجية قد يشجع الخزينة على تأجيل العودة إلى الأسواق الدولية، مقابل توجيه جزء أكبر من حاجيات التمويل نحو السوق المحلية، مما يعزز الضغوط الصعودية على العوائد طويلة الأجل.

في هذا الصدد، اعتبر محمد يازيدي شافعي، خبير اقتصادي متخصص في المالية العمومية، أن ارتفاع كلفة الاقتراض الدولي يضع الخزينة أمام مفاضلة دقيقة بين المحافظة على توازنات المالية العمومية وتفادي ضغوط إضافية على السوق الداخلية. موضحاً أن تأجيل إصدار خارجي قد يكون مناسباً لتجنب فوائد مرتفعة، غير أن جدواه تبقى مرتبطة بحجم الحاجيات التمويلية للدولة وقدرة السوق المحلية على استيعاب إصدارات إضافية.

وأضاف يازيدي شافعي أن زيادة اعتماد الخزينة على الاقتراض الداخلي قد تعزز المنافسة على الموارد المالية المتاحة لدى البنوك والمستثمرين المؤسساتيين، مما ينعكس على تكلفة تمويل باقي الفاعلين الاقتصاديين. ونبه إلى أن ارتفاع عوائد سندات الخزينة طويلة الأجل قد يؤثر في شروط تمويل المقاولات، بالنظر إلى دور هذه السندات في تحديد أسعار الفائدة داخل السوق المالية.

تزامنت هذه المخاوف مع منافسة متزايدة بين سندات الخزينة وشهادات الإيداع البنكية التي تستقطب جزءاً من السيولة المتاحة. أظهرت تحليلات “سي إف جي بنك كابيتال ماركتس” أن المستثمرين باتوا يسعرون احتمال ارتفاع عائد سندات الخزينة لأجل عشر سنوات إلى 3.80%، مقابل نحو 3.60% بالسوق الثانوية، أي بزيادة متوقعة قدرها 20 نقطة أساس.

وشدد الخبير في المالية العمومية على أن تقييم كلفة الدين العمومي ينبغي أن يشمل انعكاساتها على نفقات الميزانية خلال السنوات المقبلة، خصوصاً في ظل الالتزامات المرتبطة بالمشاريع الاستثمارية والبرامج الاجتماعية. وأبرز أن ارتفاع فوائد الدين قد يقلص هامش المناورة المالية للحكومة إذا لم يواكبه تحسن في الموارد العمومية وضبط للحاجيات التمويلية.

رغم هذه المخاوف، احتفظت الخزينة بهامش للمناورة في تحديد توقيت العودة إلى الأسواق الدولية، بعدما مكنها إصدار ماي من تعبئة موارد مهمة. بلغت السحوبات من السوق المالية الدولية نحو 24 مليار درهم إلى غاية نهاية يونيو، إضافة إلى 4.3 مليارات درهم من البنك الدولي، فيما قدرت “التجاري غلوبال ريسيرش” استكمال الخزينة، بفضل الإصدار المذكور، مجموع السحوبات الخارجية المبرمجة في قانون المالية لسنة 2026، والمحددة في 31.4 مليار درهم.

لا يعني الترخيص باللجوء إلى قروض خارجية جديدة في حدود 60 مليار درهم الالتزام بتعبئة المبلغ كاملاً من الأسواق الدولية؛ إذ يشمل مختلف مصادر التمويل الثنائي ومتعدد الأطراف. وتؤكد التجارب السابقة قدرة المغرب على تعديل توقيت إصداراته، بعدما تم تأجيل عملية اقتراض مبرمجة سنة 2022 إلى الربع الأول من 2023 بسبب تقلب الأسواق.

وخلص يازيدي شافعي إلى أن التحدي المطروح يتمثل في تحقيق التوازن بين تفادي الاقتراض الخارجي بشروط مكلفة وعدم تحميل السوق الداخلية ضغوطاً إضافية. واعتبر أن تنويع مصادر التمويل وتحسين برمجة استحقاقات الدين وتدبير السيولة العمومية تشكل عناصر أساسية للمحافظة على استدامة المديونية، في سياق دولي يتسم بتقلب أسعار الفائدة وتزايد المنافسة على الرساميل.

شارك الخبر: