تراجع اليورو أمام الدولار يضع المستوردين المغاربة في حيرة مالية


هذا الخبر بعنوان "تراجع سعر صرف اليورو أمام الدولار الأمريكي يربك حسابات مستوردين مغاربة" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 28 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
هسبريس اقتصاد: أربك تراجع سعر صرف اليورو أمام الدولار الأمريكي بنحو 4 في المائة منذ نهاية غشت الماضي حسابات المستوردين المغاربة، حيث تقلصت فرص الاستفادة من انخفاض العملة الأوروبية في تقليص كلفة المشتريات الخارجية، بفعل استمرار الضغوط على سعر صرف الدرهم أمام العملتين معاً. وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة مخاطر تقلبات أسعار الصرف على المقاولات المستوردة، خصوصاً تلك المرتبطة بعقود توريد طويلة الأجل أو معاملات تجارية مسعرة بالدولار، في مقدمتها المحروقات والمواد الأولية والمدخلات الصناعية.
وكشفت معطيات حديثة أن اليورو تراجع من 1,1664 دولار في 24 غشت الماضي إلى 1,1204 دولار في السادس من أكتوبر الجاري، قبل أن يسجل 1,1177 دولار في الثامن من الشهر ذاته، ليستقر عند حدود 1,12 دولار، في سياق تحولات نقدية ومالية دولية عززت قوة العملة الأمريكية. ولم ينعكس هذا الانخفاض بالقدر المنتظر على كلفة الواردات المغربية القادمة من أوروبا، بعدما فقد الدرهم، بين غشت وشتنبر، نحو 2 في المائة من قيمته أمام الدولار و1,4 في المائة أمام اليورو، قبل أن يتراجع خلال الأسبوع الأول من أكتوبر بنسبة 2,95 في المائة و1,47 في المائة على التوالي.
وأظهرت المؤشرات الأسبوعية لبنك المغرب تسجيل الدرهم انتعاشاً نسبياً خلال الأسبوعين المواليين، بعدما ارتفع أمام الدولار بنسبة 1,26 في المائة وأمام اليورو بنسبة 1,39 في المائة خلال الفترة الممتدة بين 8 و14 أكتوبر، ثم بنسبة 0,61 في المائة و0,17 في المائة على التوالي خلال الأسبوع الموالي. غير أن هذه التحركات لم تبدد حالة عدم اليقين لدى المستوردين، في ظل ارتباط تسعير المشتريات الخارجية بآجال التعاقد والأداء، وتفاوت قدرة المقاولات على الاستفادة من التحسن الظرفي في أسعار الصرف.
وتزامنت هذه التقلبات مع ارتفاع فاتورة الواردات الطاقية إلى 96,4 مليار درهم عند متم غشت الماضي، بزيادة سنوية نسبتها 32,6 في المائة، وفق معطيات مكتب الصرف، في وقت بلغت فيه الواردات الإجمالية 617,5 مليار درهم، بارتفاع نسبته 15,8 في المائة، وتفاقم العجز التجاري بنسبة 25,4 في المائة إلى 282,6 مليار درهم. وأثارت هذه المؤشرات تساؤلات بشأن انعكاسات استمرار قوة الدولار على تكاليف الاستيراد وهوامش أرباح المقاولات، ومدى انتقال الضغوط إلى أسعار البيع والاستهلاك خلال الأشهر المقبلة.
تقلبات الصرف وحسابات الاستيراد
فرض تراجع اليورو أمام الدولار معادلة جديدة على المقاولات المغربية التي تعتمد على الأسواق الأوروبية لتأمين احتياجاتها من التجهيزات والسيارات والمواد نصف المصنعة؛ إذ لم يعد انخفاض العملة الأوروبية في الأسواق الدولية كافياً لضمان تراجع الكلفة الفعلية للواردات، ما دام تحديد هذه الأخيرة مرتبطاً بسعر صرف اليورو مقابل الدرهم عند تنفيذ عمليات الأداء، وليس بتحركات العملة الموحدة أمام الدولار وحده.
واكتست هذه الوضعية أهمية خاصة بالنظر إلى نظام الصرف المعتمد بالمغرب، الذي يستند إلى سلة مرجعية تتكون من 60 في المائة من اليورو و40 في المائة من الدولار، مع السماح للدرهم بالتقلب داخل نطاق محدد. ويفترض هذا النظام، من الناحية النظرية، أن يؤدي انخفاض اليورو أمام الدولار إلى تحسن نسبي لقيمة الدرهم مقابل العملة الأوروبية وتراجعه أمام العملة الأمريكية، غير أن تحركات السوق خلال الأسابيع الماضية أظهرت إمكانية انخفاض العملة الوطنية أمامهما معاً، بفعل عوامل العرض والطلب على العملات الأجنبية.
في هذا السياق، أوضح محمد أمين بنيس، محلل بيانات مالية في بورصة الدار البيضاء متخصص في أسواق الصرف، أن “انخفاض اليورو أمام الدولار لا يمنح المستورد المغربي بالضرورة أفضلية في كلفة مشترياته الأوروبية، لأن المؤشر الحاسم بالنسبة إليه هو السعر الذي يؤدي به مقابل اليورو بالدرهم عند تسوية الفاتورة. وقد تتراجع العملة الأوروبية دولياً دون أن تنخفض قيمتها محلياً بالنسبة نفسها، خصوصاً عندما تتزامن تحركات الأسواق الدولية مع ضغوط على الطلب على العملات الأجنبية داخل السوق الوطنية”.
وأضاف بنيس، في تصريح لهسبريس، أن “ارتباط الدرهم بسلة نقدية يساهم في الحد من حدة بعض التقلبات، لكنه لا يلغي مخاطر الصرف بالنسبة إلى المقاولات؛ إذ تتدخل في تحديد الأسعار عوامل مرتبطة بالسيولة وتدفقات التجارة الخارجية وحاجيات الفاعلين الاقتصاديين من العملات. ولذلك، فإن مقارنة أسعار اليورو والدولار في الأسواق الدولية لا تكفي وحدها لتقييم المكاسب أو الخسائر التي يتحملها المستوردون المغاربة”.
وشدد محلل البيانات المالية على أن أهمية هذه الخلاصات تظهر عند مقارنة التحركات المسجلة خلال أكتوبر الجاري؛ إذ تجاوز سعر اليورو مستوى 11 درهماً في بداية الشهر، قبل أن يبلغ السعر المرجعي نحو 10,9953 درهماً في 22 أكتوبر، مقابل 9,7985 درهماً للدولار، موضحاً أن هذه المستويات كشفت أن انخفاض اليورو أمام العملة الأمريكية لا يعني بالضرورة انخفاض فاتورة الاستيراد بالدرهم، خصوصاً بالنسبة إلى الشركات التي أبرمت عقودها أو حددت أسعار مشترياتها خلال فترات سابقة.
وتفاوتت انعكاسات هذه الوضعية بين القطاعات الاقتصادية بحسب العملة المعتمدة في الفوترة، وطبيعة العقود التجارية، وحجم المشتريات الخارجية. فمستوردو السيارات والتجهيزات الصناعية والآلات القادمة من أوروبا قد يستفيدون من أي تحسن مستدام للدرهم أمام اليورو، بينما تظل المكاسب محدودة عندما يستقر سعر العملة الأوروبية عند مستويات مرتفعة نسبياً، أو عندما تكون الأسعار محددة مسبقاً بموجب اتفاقيات توريد طويلة الأجل.
كما طرحت التقلبات المتتالية تحديات إضافية أمام المقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي غالباً ما تتوفر على هوامش مالية أضيق وقدرات محدودة على توقع احتياجاتها من العملات الأجنبية. وقد تجد هذه المقاولات نفسها أمام اختلاف بين الكلفة المقدرة عند طلب البضائع والكلفة النهائية عند أداء قيمتها، بما يؤثر على ميزانيات التموين وتحديد أسعار البيع والقدرة على المحافظة على هوامش الربح.
في المقابل، يمكن أن تستفيد المقاولات المصدرة التي تحقق عائدات بالدولار من ارتفاع قيمة العملة الأمريكية أمام الدرهم، من خلال تحصيل مقابل أكبر بالعملة الوطنية عند تحويل مداخيلها الخارجية. وتبرز هذه الإمكانية خصوصاً لدى الفاعلين الذين يصدرون منتجات مسعرة بالدولار، كما هو الحال بالنسبة إلى جزء من صادرات الفوسفاط ومشتقاته، مع بقاء المكسب الفعلي رهينا بتطور تكاليف الإنتاج والاستيراد والتغطيات المعتمدة ضد مخاطر الصرف.
ضغوط التكلفة ومخاطر الأسعار
تركزت الانعكاسات الأكثر حساسية لقوة الدولار على واردات الطاقة، بالنظر إلى اعتماد المغرب على الأسواق الخارجية لتأمين الجزء الأكبر من احتياجاته من المحروقات، التي يجري تسعيرها دولياً بالدولار. ويؤدي ارتفاع قيمة العملة الأمريكية أمام الدرهم إلى زيادة الكلفة المحاسبية للمشتريات، حتى في حالة استقرار الأسعار الدولية للمنتجات النفطية، بينما تتضاعف الضغوط عندما يتزامن ذلك مع ارتفاع أسعار النفط والمنتجات المكررة.
وعكست معطيات مكتب الصرف حجم هذه المخاطر، بعدما بلغت واردات الغازوال والفيول وحدها 50,7 مليار درهم عند نهاية غشت الماضي، بزيادة سنوية نسبتها 44,9 في المائة. ومثل هذا الصنف أكثر من نصف الفاتورة الطاقية المسجلة خلال الفترة نفسها، ما جعل تطور سعر صرف الدولار عاملاً مؤثراً في تكاليف التموين لدى شركات توزيع المحروقات، وانعكاساتها المحتملة على الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالنقل والإنتاج الصناعي والخدمات اللوجستية.
وأشارت تقديرات حسابية تقريبية إلى أن ارتفاع سعر الدولار أمام الدرهم بنسبة نقطة مئوية واحدة قد يضيف نحو مليار درهم إلى الكلفة الإجمالية للواردات الطاقية المسجلة خلال ثمانية أشهر، بافتراض أداء معظم هذه المشتريات بالدولار وثبات الأسعار والكميات المستوردة. ولا يتعلق الأمر بكلفة إضافية محققة، وإنما بمحاكاة توضح حساسية الفاتورة الطاقية لتحركات الصرف، دون احتساب تأثير عقود التغطية أو اختلاف تواريخ الأداء.
وفي هذا الإطار، أكد حسن بوناجي، مستشار مالي وبنكي متخصص في الهندسة المالية، أن “المخاطر التي تواجه المقاولات المستوردة لا تقتصر على ارتفاع سعر الدولار في حد ذاته، وإنما تشمل صعوبة توقع الكلفة النهائية للمشتريات عند وجود فاصل زمني بين إبرام العقود وتسوية الفواتير. وكلما ارتفعت قيمة الواردات وطالت آجال الأداء، ازدادت حساسية الوضعية المالية للمقاولة تجاه تحركات سوق الصرف، خصوصاً عندما تكون هوامش الربح محدودة أو ترتبط الأسعار النهائية بالتزامات تجارية يصعب تعديلها”.
وأوضح بوناجي، في تصريح لهسبريس، أن “التغطية ضد مخاطر الصرف أصبحت عنصراً مهماً في تدبير خزينة المقاولات، من خلال أدوات مالية تسمح بتحديد أسعار الصرف مسبقاً أو الحد من آثار التقلبات غير المتوقعة. غير أن فعالية هذه الآليات ترتبط بقدرة الشركات على تقدير احتياجاتها الفعلية من العملات، وكلفة التغطية، ومدى ملاءمة الأدوات المعتمدة لطبيعة معاملاتها التجارية وتدفقاتها النقدية”.
واعتبر المستشار المالي والبنكي أن انعكاسات ارتفاع كلفة الواردات الطاقية تجاوزت شركات المحروقات لتشمل أنشطة صناعية تعتمد على الطاقة في عمليات الإنتاج، إلى جانب مقاولات النقل وتوزيع السلع والمنتجات الغذائية، مؤكداً أن زيادة نفقات التموين والشحن والتصنيع قد تؤدي إلى تقليص هوامش أرباح هذه المقاولات أو دفعها إلى مراجعة أسعار البيع، بحسب مستوى المنافسة داخل الأسواق وقدرتها على امتصاص التكاليف الإضافية.
وبرزت مخاطر مماثلة بالنسبة إلى مصانع الأعلاف الحيوانية التي تعتمد على استيراد الذرة ومواد أولية أخرى مسعرة بالدولار؛ إذ يمكن أن تؤدي تقلبات العملة الأمريكية إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، بما ينعكس على أسعار الأعلاف المقدمة لمربي الدواجن والماشية. وفي المقابل، يظل تأثير الصرف على واردات الحبوب الموجهة للاستهلاك البشري مرتبطاً كذلك بآليات الدعم المعتمدة، التي قد تحول جزءاً من ارتفاع الكلفة إلى نفقات تتحملها الميزانية العمومية عوض انتقالها مباشرة إلى المستهلك.
وأثارت هذه التطورات تساؤلات بشأن مدى انتقال ارتفاع تكاليف الاستيراد إلى المستوى العام للأسعار، خصوصاً بعدما سجل التضخم بالمغرب 0,5 في المائة خلال شتنبر الماضي على أساس سنوي، مقابل تراجع بنسبة 0,3 في المائة خلال غشت، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط. وتبقى سرعة انتقال أثر الصرف متفاوتة بين المنتجات، تبعاً لمستويات المخزون والعقود التجارية وهوامش التوزيع وطبيعة المنافسة.
وكان بنك المغرب قد خفض توقعاته لمعدل التضخم إلى 0,7 في المائة برسم سنة 2026، مع ترقب ارتفاعه إلى 1,5 في المائة خلال 2027، في سياق استمرار مراقبة تطورات الأسعار الدولية للمواد الأولية وأسعار الصرف. غير أن استمرار الضغوط على الدولار وأسعار الطاقة قد يشكل عامل مخاطرة بالنسبة إلى هذه التوقعات، خصوصاً إذا انعكس على تكاليف الإنتاج والنقل خلال الفصول المقبلة.
ولا يرتبط التحدي المطروح أمام المستوردين المغاربة، على ضوء هذه المعطيات، باتجاه اليورو أو الدولار في الأسواق الدولية وحده، بل بقدرتهم على تدبير الفارق بين أسعار التعاقد والأداء، والتحكم في تعرضهم لمخاطر الصرف دون تحميل المستهلك النهائي كامل التكاليف الإضافية. وتظل تطورات الدرهم أمام العملتين، إلى جانب أسعار الطاقة وشروط التمويل، محددات رئيسية لمسار تكاليف الاستيراد خلال ما تبقى من السنة، وسط ترقب المقاولات لأي استقرار نقدي يسمح بإعادة ضبط حساباتها التجارية والمالية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد