ملحمة بئر لحلو 1991: أول اختراق عسكري خارج الجدار العازل بتفاصيلها الكاملة


هذا الخبر بعنوان "شهادة تاريخية عسكرية لأول دخول للبير الحلو خارج الجدار العازل سنة 1991" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 2 نونبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بمناسبة عيد الوحدة الوطنية، واستحضارا للتضحيات الجسام التي قدمها رجال القوات المسلحة الملكية دفاعا عن الوحدة الترابية للمملكة، يستعيد المحارب القديم المدني الحواصلي، الملقب بـ”شاعر الخنادق”، واحدة من الملاحم العسكرية التي بقيت راسخة في ذاكرة حرب الصحراء، وهي ملحمة بئر لحلو في يوليوز 1991. هذه الشهادة، التي تقدمها الدكتورة حورية بوي، ابنة الكولونيل ماجور أحمد مولاي بوي، ليست مجرد استعادة لأحداث مضت، بل هي استحضار لتضحيات رجال أوفياء حملوا أرواحهم على أكفهم، وخاضوا المعارك في ظروف صحراوية قاسية، مؤمنين بأن الدفاع عن الوطن مسؤولية لا تقبل التردد أو المساومة. إنها شهادة عن عملية عسكرية جرت خارج الجدار الدفاعي، تحت القيادة العليا للملك الراحل الحسن الثاني، وبقيادة ميدانية للكولونيل ماجور أحمد مولاي بوي، الذي عُرف بين رفاقه بخبرته العسكرية الواسعة وحنكته في إدارة المعارك وحرب العصابات.
شرارة المعركة.. سؤال صحفي أمام الحسن الثاني
بدأت القصة، كما بقيت في الذاكرة العسكرية، خلال إحدى الندوات الصحفية الدولية التي عقدها الملك الراحل الحسن الثاني، حين وجه إليه أحد الصحفيين سؤالا مباشرا بشأن المناطق العازلة، وما إذا كانت تخضع فعليا للسيادة المغربية. كان الصحفي قد زار تلك المناطق عبر تندوف الجزائرية، واطلع على مواقع ومقرات جبهة البوليساريو في منطقة بئر لحلو ومحيطها، ولذلك تساءل عن حقيقة السيطرة المغربية عليها. وجاء جواب الملك الراحل حاسما: “نعم، إنها أراض مغربية وتخضع للسيادة الوطنية.” وعندما أبدى الصحفي استغرابه، مشيرا إلى أنه عاين بنفسه وجود الجبهة في تلك المناطق، أجابه الملك، وفق ما تتناقله هذه الرواية: “خلال أشهر قليلة، ستتمكنون من زيارة هذه المناطق العازلة، ولكن من قلب الصحراء المغربية وليس عبر تندوف الجزائر… وسأعقد ندوة صحفية أخرى في هذا الشأن.” لم تكن تلك الكلمات، في تقديرنا، مجرد رد سياسي أو دبلوماسي، بل كانت تعبيرا عن إرادة سيادية واضحة، ومقدمة لعملية عسكرية واسعة تستهدف المواقع الموجودة خارج الجدار الدفاعي.
غرفة العمليات.. التخطيط لمهمة محفوفة بالمخاطر
لم تكن العملية المرتقبة سهلة أو مأمونة العواقب. فالتحرك خارج الجدار الدفاعي كان يعني مواجهة مخاطر الألغام والكمائن، واحتمال الاشتباك مع وحدات مسلحة تعرف تضاريس المنطقة ومسالكها الصحراوية. أُسندت مهمة الإعداد إلى قيادة الجنوب، وانطلقت الدراسات الميدانية والاستعدادات العسكرية داخل غرفة العمليات، حيث استمر التخطيط والعمل المتواصل لمدة أسبوع كامل. كان شبه قطاع “المحبس” تحت قيادة الجنرال محمد التامدي، فيما أُسندت القيادة الميدانية المباشرة للوحدات المشاركة إلى الكولونيل ماجور أحمد مولاي بوي. لم يكن هذا القائد رجلا عاديا في الميدان؛ فقد عرفه رفاقه بلقب “المعجم” (Dictionnaire)، في إشارة إلى غزارة معارفه العسكرية والتكتيكية، وقدرته على استيعاب تفاصيل المعارك وأساليب حرب العصابات. كان من القادة الذين يفضلون الوجود في مقدمة الصفوف، ولا يكتفون بإصدار التعليمات من مواقع بعيدة عن خطر المواجهة.
يوليوز 1991.. التحرك نحو بئر لحلو
في شهر يوليوز من سنة 1991، وتحت حرارة الصحراء القاسية، انطلقت أرتال القوات المسلحة الملكية بكامل عتادها وعديدها. تحركت القوات من قطاع “المحبس” في اتجاه قطاع “الفارسية”، ثم تجاوزت الجدار الدفاعي نحو المناطق الواقعة خارجه. قطعت الوحدات العسكرية مسافة تجاوزت 100 كيلومتر، وفق خطة تكتيكية عُرفت باسم “المربع المغلق”، وهي طريقة في التحرك تهدف إلى تأمين الوحدات وحمايتها من الهجمات المباغتة والكمائن المحتملة. كانت المهمة تقتضي قدرا كبيرا من الانضباط والتنسيق، خصوصا أن القوات كانت تتحرك في مجال صحراوي مفتوح، حيث يمكن لأي خطأ في التقدير أن يؤدي إلى خسائر بشرية جسيمة. وعندما اقتربت الوحدات من بئر لحلو، توقفت لإعادة تنظيم الصفوف والاستعداد للمرحلة الحاسمة. عبر أجهزة اللاسلكي، صدرت التعليمات: “نحن على وشك دخول أرض المعركة.” وفي لحظة امتزجت فيها مشاعر الإيمان والاستعداد للتضحية، أقيمت “صلاة الشهادة” جماعة خلف القائد الميداني الكولونيل ماجور أحمد مولاي بوي. ثم جاءت الأوامر بالانتقال إلى مرحلة الاقتحام، مع تفكيك التشكيل الدفاعي والانطلاق بسرعة نحو المواقع المستهدفة.
اقتحام بئر لحلو.. تفاصيل العملية العسكرية
اندفعت الوحدات المغربية نحو بئر لحلو، فيما كان الكولونيل ماجور أحمد مولاي بوي يتابع تحركات القوات ويحذر من حقول الألغام، ويوجه مختلف الوحدات لتفادي الخسائر وضمان نجاح العملية. ووفق ما تحتفظ به هذه الشهادة من تفاصيل، تمكنت القوات من دخول المنطقة والسيطرة على المواقع الموجودة بها، والتي كانت جبهة البوليساريو تقدمها باعتبارها مقرات تابعة لقيادتها. وشملت المواقع التي جرى العثور عليها مقر زعيم الجبهة آنذاك، محمد عبد العزيز، ومقرات منسوبة إلى ما يسمى بوزارتي الدفاع والفلاحة، فضلا عن سجن محلي عُثر بداخله على صناديق أسماك، وبئرين للمياه الصالحة للشرب، وقطعان من الإبل والماعز في محيط المخيم. وتشير الرواية إلى أسر 15 عنصرا من الجبهة، بالإضافة إلى طفل يبلغ من العمر 12 سنة. وقد حاول الأسرى، بحسب الشهادة، تقديم أنفسهم باعتبارهم رعاة، غير أن الطفل تحدث بعفوية عن وجود عناصر مسلحة، وأبدى رغبته في العودة إلى مدينة العيون. وتنقل الشهادة عن الطفل قوله باللهجة الحسانية: “لاهي نمشي معاكم نقرا فالعيون… أمي تحب العودة للوطن، وبويا مسلح ما باغينا نرجعوا نكيسوا بلدنا.” كانت تلك اللحظة، كما تستحضرها الرواية، من المشاهد الإنسانية التي بقيت عالقة في ذاكرة العملية، وسط أجواء الحرب وما تفرضه من مواجهة وخوف ومصائر مجهولة. وتذكر الشهادة أيضا أن المواجهات شهدت إصابة عربة أحد قادة الجبهة بطلقات نارية، قبل أن تتمكن القوات المغربية من تثبيت سيطرتها على المواقع المستهدفة. وبعد انتهاء مرحلة الاقتحام، جلس عدد من الجنود مع القائد الميداني داخل المقر الذي كان يستخدمه زعيم الجبهة، حيث تناولوا الشاي في لحظة استراحة قصيرة أعقبت ساعات من التوتر والمواجهة. كما جرى، وفق الرواية، رفع العلم الوطني المغربي فوق المنطقة، وتدمير عدد من المنشآت التابعة للجبهة وتعطيل آبار المياه الموجودة بها. لكن انتهاء الاقتحام لم يكن يعني انتهاء الخطر.
حنكة القائد.. معركة الانسحاب وكمين العودة
رغم أجواء الانتصار التي سادت بين الجنود، ظل الكولونيل ماجور أحمد مولاي بوي شديد الحذر، مدركا أن الانسحاب من منطقة العمليات قد يكون أكثر خطورة من اقتحامها. وقد حذر الجنود عبر أجهزة اللاسلكي قائلا: “لا تبالغوا في الاحتفال، فلسنا في نصر كامل حتى نغادر بنجاح، كونوا جاهزين لأي طارئ أو دعم للمرتزقة، انسحابهم السريع يعني أنهم يعدون كمينا… هذه رياح هادئة تسبق العاصفة، وأنا أعرف خطط حرب العصابات جيدا.” كانت تلك الكلمات تعكس تجربة قائد يعرف أن المعارك لا تنتهي بمجرد السيطرة على موقع، وأن الخصم قد يلجأ إلى الكمائن خلال العودة. وبينما كانت القوات تستعد لمغادرة بئر لحلو، اقترح بعض العناصر اختصار الطريق، غير أن القائد رفض ذلك، وأصدر تعليماته بتجنب المرتفعات وإعادة تشكيل “المربع المغلق”. وجاء تحذيره حاسما: “تجنبوا التلال والتضاريس المرتفعة! اجمعوا المربع المغلق وجهزوا أنفسكم، إنها نقطة الحسم!” ولم تمر سوى ساعات قليلة حتى تعرضت القوات، وفق الشهادة، لكمين أعدته عناصر من جبهة البوليساريو في التضاريس المرتفعة على طريق العودة. هنا برزت أهمية الاستعدادات التي أمر بها القائد الميداني، إذ مكن تنظيم الوحدات وإعادة تشكيل المربع الدفاعي من التصدي للهجوم ومواصلة الانسحاب. كانت المواجهة عنيفة، وسقط خلالها شهداء من القوات المسلحة الملكية، لكن الوحدات تمكنت في النهاية من تجاوز الكمين والعودة. لقد كانت لحظة حاسمة جسدت معنى القيادة العسكرية القائمة على الخبرة والانضباط والاستعداد الدائم للأسوأ.
العودة من المعركة.. الأوسمة والوفاء بالوعد
عادت القوات المغربية من العملية، واستُقبل المشاركون فيها بالتوشيحات والأوسمة العسكرية والميداليات الحربية، تقديرا لما قدموه خلال هذه المهمة. وبحسب ما تحتفظ به الشهادة، رافقت العملية تغطية من الصحافة العسكرية، جرى خلالها توثيق مراحل من التحركات والمواجهات بالصوت والصورة، قبل نقل الأشرطة والتقارير الميدانية إلى الملك الراحل الحسن الثاني. وتضيف الرواية أن الملك وفى بوعده للصحفيين، إذ وجه البعثة الصحفية الدولية نفسها لزيارة بئر لحلو عبر الصحراء المغربية. وعند وصول الصحفيين إلى الموقع، وجدوا، وفق ما يرويه صاحب الشهادة، آثار الدمار الذي خلفته العملية، فيما كان العلم الوطني المغربي يرفرف فوق تلة مرتفعة. وتحت العلم، رُصت حجارة لتشكل عبارة: “الصحراء مغربية… عاش الملك”. كان ذلك المشهد، في الذاكرة التي تنقلها هذه الشهادة، رمزا لما حققته القوات المشاركة، ورسالة أراد أصحابها أن تبقى شاهدة على تضحيات الجنود الذين خاضوا تلك المعركة.
بئر لحلو.. ذاكرة الرجال وتضحيات الشهداء
مرت السنوات، وتغيرت الظروف السياسية والعسكرية، لكن ذكرى تلك العملية ظلت حاضرة لدى من شاركوا في حرب الصحراء وعرفوا قسوة الميدان. وقد بلغنا بعد سنوات أن جبهة البوليساريو عادت إلى المنطقة وأعادت بناء عدد من المنشآت التي دُمرت خلال العملية، كما تردد لاحقا أن زعيمها محمد عبد العزيز دُفن هناك. غير أن ما بقي راسخا في الذاكرة، قبل المواقع والمنشآت، هو ما قدمه الجنود من تضحيات وما أظهروه من شجاعة وصبر وانضباط. إن الدفاع عن الوحدة الترابية ليس مجرد شعارات ترفع في المناسبات، ولا احتفالات تنتهي بانتهاء يومها، بل هو تاريخ من التضحيات التي قدمها رجال حملوا السلاح دفاعا عما آمنوا بأنه واجب وطني. لقد عرفت الصحراء المغربية رجالا لم يبحثوا عن الأضواء، ولم ينتظروا التصفيق، بل أدوا واجبهم في صمت، تاركين وراءهم ذكريات المعارك وآلام الفقد وفخر الانتماء. وكان الكولونيل ماجور أحمد مولاي بوي واحدا من هؤلاء القادة الذين تركوا بصمتهم في ذاكرة الميدان، بما امتلكوه من خبرة عسكرية وشجاعة في اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. كانت عملية بئر لحلو، كما تحتفظ بها هذه الشهادة، من آخر بصماته العسكرية في المناطق الواقعة خارج الجدار الدفاعي. واليوم، ونحن نستحضر ذكرى عيد الوحدة الوطنية، لا يسعنا إلا أن ننحني إجلالا لأرواح الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن الوطن، وأن نستحضر بكل تقدير القادة والجنود الذين شاركوا في تلك المعارك. رحم الله الكولونيل ماجور أحمد مولاي بوي، وأسكنه فسيح جناته، ورحم الله جميع شهداء الوطن. لقد اغرورقت عيناي بالدموع وأنا أستعيد آخر سطور هذه الشهادة، ليس حزنا وحده، بل وفاء لذاكرة رجال عرفتهم ميادين الحرب، وستظل تضحياتهم حاضرة في وجدان رفاقهم وأسرهم. إن التاريخ لا تصنعه الكلمات وحدها، بل تصنعه أفعال الرجال الذين يتركون وراءهم أثرا لا تمحوه السنون. المدني الحواصلي “شاعر الخنادق” – محارب قديم
سياسة
سياسة
ثقافة
سياسة