المغرب
سياسة

بيان البوليساريو بعد الفيتو الروسي: انتصار إعلامي وهمي في مواجهة واقع دبلوماسي متغير

العمق المغربي6 نونبر 2026 في 13:260 مشاهدة
بيان البوليساريو بعد الفيتو الروسي: انتصار إعلامي وهمي في مواجهة واقع دبلوماسي متغير

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بيان البوليساريو بعد فيتو روسيا… انتصار إعلامي موهوم أمام واقع دبلوماسي متغير" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 6 نونبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بقلم: عبد القادر الحافظ بريهما

التاريخ: 6 نوفمبر 2026

يبدو أن قيادة جبهة البوليساريو، عبر جلستها الأخيرة للمجلس الوطني الصحراوي في 5 نوفمبر 2026، لا تزال حبيسة خطاب سياسي تقليدي، غير قادر على استيعاب التحولات العميقة التي تشهدها قضية الصحراء المغربية، خاصة على صعيد المواقف الدولية المتنامية دعماً لمبادرة الحكم الذاتي المغربية كقاعدة واقعية وجادة لحل سياسي نهائي. ويكشف البيان الصادر عن هذه الجلسة عن حالة من الارتباك السياسي ومحاولة للالتفاف على واقع جديد لا تستطيع الشعارات القديمة تغييره.

أولاً: الفيتو الروسي ليس انتصاراً للبوليساريو

إن تقديم استخدام روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي كـ"انتصار سياسي" للبوليساريو هو قراءة انتقائية ومضللة لطبيعة العلاقات الدولية وآليات عمل مجلس الأمن. فالفيتو بحد ذاته لا يعني تبني الموقف الانفصالي، ولا يمثل اعترافاً بسيادة مزعومة، بل هو موقف مرتبط باعتبارات سياسية ودبلوماسية خاصة بالدولة المستخدمة، وتحفظاتها على صياغة مشروع قرار أو مضمونه. الخلط بين الاعتراض على مشروع قرار وتأييد مشروع سياسي بديل هو مجرد محاولة لصناعة انتصار إعلامي من واقعة دبلوماسية لا تمنح البوليساريو ما تدعيه.

ثانياً: الحكم الذاتي ليس طرحاً أحادي الجانب

من المغالطات المتكررة وصف المبادرة المغربية للحكم الذاتي بأنها محاولة لفرض الأمر الواقع أو طرح أحادي الجانب. فالمغرب قدم سنة 2007 مبادرة سياسية متكاملة لمنح الأقاليم الجنوبية اختصاصات واسعة ضمن السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة، وفتح الباب أمام تسوية سياسية تفاوضية. المبادرة المغربية لا تلغي التفاوض، بل تقدم أرضية واضحة له، بينما يظل خطاب البوليساريو حبيس تصورات متجاوزة لا تقدم حلولاً لمستقبل السكان أو لضمانات الاستقرار والتنمية.

ثالثاً: تقرير المصير لا يعني بالضرورة الانفصال

من الخطأ اختزال مفهوم تقرير المصير في خيار الانفصال وحده. فهذا المبدأ في القانون الدولي له صيغ متعددة، ويمكن تحقيقه عبر ترتيبات سياسية ومؤسساتية متوافق عليها، بما فيها الحكم الذاتي. تبرز هنا أهمية الحل السياسي الواقعي والتوافقي الذي يوازن بين مقتضيات الاستقرار الإقليمي وتطلعات السكان، بعيداً عن القراءات الأيديولوجية الضيقة. التمسك بتفسير واحد لمبدأ تقرير المصير لا يساعد على حل النزاع بل يساهم في إطالة أمده.

رابعاً: المينورسو ليست غاية في حد ذاتها

يتوقف البيان مطولاً عند مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، وكأن استمرار البعثة أو شكل ولايتها هو جوهر القضية. الحقيقة أن المينورسو أُنشئت في سياق مخطط التسوية الأممي لسنة 1991. لكن تعثر تنفيذ ذلك المخطط يفرض التفكير في سبل تحريك المسار السياسي، لا تحويل البعثة إلى غاية مستقلة عن الهدف الأساسي المتمثل في التوصل إلى حل سياسي نهائي. مستقبل أي بعثة أممية ينبغي أن يُناقش في ضوء التطورات السياسية ومهامها والقرارات الأممية ذات الصلة.

خامساً: خطاب تصفية الاستعمار لا يعفي من مواجهة الواقع

تكرار وصف النزاع بأنه قضية تصفية استعمار، دون قراءة متكاملة للتحولات السياسية والدبلوماسية، لا يكفي لإنتاج حل أو تغيير المواقف الدولية. القضايا الدولية لا تُحسم بتكرار المصطلحات، بل بالقدرة على بناء توافقات سياسية وتقديم مقترحات قابلة للتطبيق. المغرب، عبر مبادرة الحكم الذاتي، يطرح تصوراً سياسياً ومؤسساتياً قابلاً للنقاش والتفاوض، بينما يظل خطاب البوليساريو يراوح مكانه بين استدعاء المرجعيات التاريخية وتضخيم دلالات المواقف الدبلوماسية.

سادساً: السؤال الحقيقي الذي يتجنبه البيان

بعد عقود من النزاع، يحق للرأي العام أن يتساءل: ماذا قدمت قيادة البوليساريو للأجيال التي عاشت في مخيمات تندوف؟ وما المشروع العملي الذي تقترحه لمستقبل المنطقة؟ وكيف يمكن إنهاء حالة الجمود السياسي والمعاناة الإنسانية؟ المسؤولية السياسية تقتضي الانتقال من منطق الشعارات إلى منطق الحلول، ومن استثمار الخلافات الدولية إلى البحث عن تسوية واقعية تضع مصلحة السكان واستقرار المنطقة في المقدمة.

خلاصة القول: بيان المجلس الوطني الصحراوي لا يعكس تحولاً في الرؤية السياسية بقدر ما يكشف عن صعوبة التكيف مع واقع دبلوماسي يتغير، واستمرار خطاب يراهن على الخلافات الدولية أكثر من تقديمه لحل سياسي قابل للتطبيق. المغرب يواصل الدفاع عن وحدته الترابية ومبادرة الحكم الذاتي كإطار للحل السياسي، مؤكداً أن التسوية الدائمة لا تتحقق إلا عبر مسار سياسي جاد وواقعي وتوافقي تحت رعاية الأمم المتحدة. التاريخ الدبلوماسي لا يُكتب بالبيانات التعبوية، ولا تُحسم النزاعات بتكرار الشعارات، بل بقدرة الأطراف على قراءة الواقع، واستيعاب التحولات، والانخراط في الحلول الممكنة. لقد تغيرت المعادلات، لكن خطاب قيادة البوليساريو لم يتغير بعد.

شارك الخبر: