الذكاء الاصطناعي في محراب القضاء: هل تتجاوز سلطة وهبي استقلال القاضي؟


هذا الخبر بعنوان "أحكام بـ”الذكاء الاصطناعي”.. أين تنتهي سلطة وهبي وأين يبدأ استقلال القاضي؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 7 نونبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وجهة نظر حمزة الشواي 7 نوفمبر 2026 - 14:09
أعادت المناقشات البرلمانية الأخيرة حول استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في صياغة الأحكام القضائية إلى الواجهة مسألة الحدود الدستورية الفاصلة بين السلطتين التنفيذية والقضائية في المغرب. لم يعد الإشكال مقتصراً على النصوص التنظيمية التي تؤطر استقلال السلطة القضائية منذ دستور 2011، بل امتد ليشمل فحص الممارسة العملية ورصد التأثير غير المباشر للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل على الوظيفة القضائية.
في هذا السياق، أثارت تصريحات وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، حول لجوء قضاة إلى برنامج “ChatGPT” لإعداد الأحكام، تساؤلات قانونية ومهنية. يأتي ذلك في ظل إعلان الوزير نفسه عن اقتناء وزارته لبرامج معلوماتية لإعفاء القضاة من عبء كتابة الأحكام، وهو ما يتعارض مع توجيهات الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، الذي دعا القضاة إلى استثمار التكنولوجيا الحديثة بضوابط مهنية تحفظ استقلال القاضي الذهني ومسؤوليته في التعليل.
يجمع الفقه الدستوري والقضائي على أن الخلل في علاقة باقي السلط بالسلطة القضائية ينبع من اختزال مفهوم الاستقلال القضائي في مجرد الحياد تجاه أطراف الدعوى. فالحياد التزام إجرائي وأخلاقي، بينما يشمل الاستقلال الدستوري والوظيفي حماية الاقتناع الصميم للقاضي ومساره الذهني والعملي.
وقد حسم الفصل 109 من دستور 2011 هذا المفهوم، بالنص على منع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، وعدم تلقي القاضي أي أوامر أو تعليمات أو خضوعه لأي ضغط. وبناءً على هذا المقتضى، المقرون بالفصل 107 الذي يكرس استقلال السلطة القضائية، فإن مرحلة تحرير وصياغة الأحكام ليست عملاً إدارياً منفصلاً، بل هي تجسيد لسلطة القاضي في تطبيق القانون (الفصل 110). وبالتالي، فإن أي تدخل من السلطة التنفيذية لتوجيه وسائل تحرير الأحكام، أو التشكيك في منهجية القضاة، أو ممارسة الضغط السياسي والإحصائي عليهم، يمس باستقلالية القاضي الوظيفية والذهنية.
اعتمد المجلس الأعلى للسلطة القضائية مقاربة تجمع بين تحديث الإدارة القضائية وحماية استقلال القاضي. وأكد الرئيس المنتدب، محمد عبد النباوي، في مؤتمر دولي بالرباط حول “العدالة والذكاء الاصطناعي” (14 أكتوبر 2026)، أن الذكاء الاصطناعي يتيح تسريع تحليل الملفات وتيسير البحث القانوني. لكنه وضع حداً فاصلاً بين الاستعانة التقنية والتفريط في سلطة التقدير والتعليل القضائي، داعياً القضاة إلى “تملك الأدوات الرقمية، ولكن أيضا استخدامها باعتدال ومسؤولية، دون التفريط أبدا في الأسس التي يقوم عليها فعل القضاء”.
كما نبه عبد النباوي إلى مخاطر التبعية التقنية على استقلالية القاضي، محذراً من أن “الحديث عن استقلال القاضي قد يرتبط بالبرمجيات الرقمية وواضعيها أكثر من ارتباطه بالقاضي الذي يستعملها” (21 أبريل 2025). ودعا إلى وضع إطار تشريعي ومدونة أخلاقيات لتأطير استخدام الذكاء الاصطناعي في المرفق القضائي.
خلافاً لهذه المقاربة المؤسساتية، اتسمت تصريحات وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، بالتناقض. ففي المرحلة الأولى (11 يونيو 2024)، أعلن عن اقتناء وزارته لبرنامج ذكاء اصطناعي شبيه بـ”ChatGPT” لمساعدة القضاة في تحرير الأحكام، قائلاً: “اشترينا برنامجا للذكاء الاصطناعي، وتم تسليمه لرئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية لتوزيعه على القضاة، إذ إن القاضي قد لا يكتب حكمه، بل يقرؤه فقط، والبرنامج يتولى الرقن”. ورغم تثمين نادي قضاة المغرب لتخفيف عبء رقن “وقائع الدعوى”، فإن تولي وزارة العدل إعداد واقتناء برمجيات يقترح اجتهادات قضائية يطرح إشكالاً قانونياً حول تأثير الإدارة في توجيه البحث القانوني للقاضي.
أما في المرحلة الثانية (4 نونبر 2026)، فقد تراجع الوزير عن هذا التوجه، موجها انتقاداً علنياً لطريقة صياغة القضاة للأحكام، حيث صرح بأن “الأمر آل إلى: إعداد مقالات الدعوى القضائية في جهة وجواب chatgpt في جهة والقاضي كذلك يعطي المعطيات وينتظر الحكم ويصححه له الذكاء الاصطناعي”. ورغم تحفظه على مراقبة عمل القضاة بالخوارزميات، فإن حديثه عن كون القاضي “يعطي المعطيات وينتظر الحكم” يمس بمصداقية الأحكام القضائية وثقة المتقاضين فيها.
لا ينفصل حديث وزير العدل عن تحرير الأحكام عن سياق عام طبع تصريحاته السابقة حول السلطة القضائية، والتي تعكس تصوراً سياسياً يتعامل مع استقلال القضاء كامتياز ممنوح من السلطة التنفيذية، وليس كضمانة دستورية. ومن الأمثلة على ذلك، تصريحه يوم 20 فبراير 2025 خلال ندوة علمية بالرباط حول “مشروع قانون المسطرة الجنائية”، حين قال عن القضاة وجمعياتهم المهنية بالدارجة: “هاد القضاة هادوا كايغوتو على الاستقلالية كانعطيوها ليهم كايقولك أجيو جلسوا معنا”.
ويبرز التحليل القانوني لهذا التصريح اختزال مبدأ دستوري في مطلب فئوي، واعتبار السلطة الحكومية مانحة للاستقلالية، واستخدام مفهوم الاستقلالية لتبرير استبعاد جمعيات القضاة من المقاربة التشاركية المنصوص عليها في الفصل 12 من الدستور.
وفي السياق ذاته، أكد الوزير يوم 4 نونبر 2026 أمام لجنة العدل والتشريع أن “الاستقلالية كتفرض عليا منستقبلش جمعيات القضاة.. وفصلت حتى فاختصاص شراء السيارات باش ميكونش تأثير”، مضيفاً: “نريد الاستقلالية فلنتحمل تبعاتها”. وهو ما يشكل إقراراً بأن التدبير المالي واللوجستي ظل يُنظر إليه كمدخل محتمل للتأثير في استقلالية القضاة.
سجلت الممارسة السياسية لوزير العدل عدة سوابق تتعلق بتقييم منطوق الأحكام القضائية، والتلويح بالمساءلة التأديبية للقضاة، والتشكيك في المسؤولين القضائيين، وهي مواقف تدخل ضمن صور التأثير المعنوي والسياسي في السلطة القضائية:
على المستوى العملي، يتجلى تدخل السلطتين التنفيذية والتشريعية في السلطة القضائية عبر ثلاثة مداخل رئيسية:
ختاماً، يتطلب استكمال بناء استقلال السلطة القضائية تجاوز المفهوم الشكلي نحو تحصين الاستقلال الوظيفي والذهني والتقني للقاضي. وذلك بإسناد تدبير البرامج المعلوماتية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية حصرياً، مع التزام السلطة التنفيذية بواجب التحفظ الدستوري تجاه الأحكام والمقررات القضائية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة